السودان الان
سلاح التضليل والتشويش هو سلاح ” الحكومة السودانية” الأول …
سردية المؤامرة والهروب إلى الأمام …
سردية المؤامرة والهروب إلى الأمام …
في عالم السياسة، ليست الحقيقة دائماً هي الهدف الأسمى، بل أحياناً تكون أدوات التشويش والمواربة وخلط الأوراق، هي السلاح الأكثر فاعلية في مواجهة الحقائق الخطيرة، والتي ستضع ” الحكومة السودانية” في المحكمة الدولية بتهم إبادة جماعية دامغة .
وهنا ، وعندما تمنح المتهم فرصة أخرى، فأنه سيستخدم كلّ الحجج لتبرئة نفسه، وما نشهده في قضية استخدام الأسلحة الكيميائية من قبل ” الجيش السوداني” وقائد هذا الجيش عبد الفتاح البرهان، لهو مثال صارخ على كيفية تحوير رواية الحقيقة إلى مسرحية دفاعية هزلية ضعيفة في هذه الحكومة التي تكرّس حالة من الضبابية والارتباك، وتلعب دور الضحيّة أمام جمهورها الإخواني المنتفع، وتُعلن عن حالة هشّة من التبريرات وردّ الدلائل بالاتهامات، ومن بعدها تنزع إلى سردية قديمة وهي سردية المؤامرة التي تستهدفهم مباشرة، وهم عبارة عن شلّة من المسئولين في السلطة الغارقة بالفساد والفشل .
إنّ ” الحكومة السودانية” تتبع استراتيجية أساسية واضحة وهي التضليل والتجييش ضدّ أيّ حقيقة دامغة تضعهم في خانة الإجرام، فبدلاً من مواجهة الحقائق، أو حتى نفي علني أمام الشعب، سارعوا مباشرة إلى نسف أيّ محاولة للتحقيق أو كشف التفاصيل عبر تشكيك منهم مسبق، في مصداقية المصادر وطرح فرضيات بديلة، ولا سيّما في غياب تحقيق ميداني مستقلّ، ورفض حتى أيّ شكل من أشكال التحقيق المستقل، وما هذا الأسلوب إلا بهدف قلب الحقائق وإثبات البراءة، والكذب، ثم الكذب ثم الكذب.
إنّ التهرّب من التحقيقات الدولية ورفض دخول لجان مستقلة يعزّز من هذا المشهد الضبابي المريب، حيث يصوّر المتهم نفسه على أنه ضحية تُحاصر باتهامات لا دليل عليها، وينكر وجود تقارير دولية سابقة ضدّ نظامه البائد مثل تقرير منظمة العفو الدولية في 2016 الذي وثّق استخدام أسلحة كيميائية للجيش، وأودى بحياة مئات المدنيين، ولكن بدلاً من تعامل “البرهان قائد الجيش ” مع هذا الملف بجدية، يُسقط في بحر من السفسطة والتشكيك، والوقوف على أبواب التظلّم، وهو مجرم قتل الناس بدل أن يحميهم، لذلك فإنّ جريمة البرهان جريمة مزدوجة لا يمكن غفرانها، وستبقى في سجله الأسود حتى نهاية التاريخ .
أما من الناحية النفسية والسياسية، يلعب هذا الأسلوب دوراً مزدوجاً: أولاً، يشتت الانتباه ويحوّل القضية من موضوع ميداني حقيقي إلى نزاع سرديات ومزاعم لا حسم فيها، وثانياً، يستدعي البرهان التعاطف والشفقة عبر تصوير نفسه وسلطته الغير شرعية كضحية لمؤامرة دولية للتغطية على الجرائم والانتهاكات من قتل وذبح وتهجير وتدمير، وما لا تعرفه ” الحكومة السودانية” للتعامل مع هذا الملف، أنّ أبسط أنواع الدفاع عن النفس هو الظهور العلني للبرهان، ونفي الأمر، ومواجهة الحقائق لا الهروب والاختباء وراء الكذب وتحريك جماعاته الإعلامية للدفاع بطرق ملتوية، بينما يسقط الناس وتنتشر الأمراض، وتهتك الإنسانية كلّها، ويختنق المواطنون بالغاز السّام، أما البرهان فهو غارق في الدفاع عن صورته ولا يهمّه حياة بلد ولا مستقبل إنسان لا يريد شيئاً منه، سوى أن يعيش في بلد آمن، وحياة كريمة لا أكثر ولا أقل.
إنّ استخدام ” الحكومة السودانية” و” الجيش السوداني” والميلشيات الداعيشية الإجرامية كالبرّاء وغيرها للأسلحة الكيماوية المميتة والمحظورة والسامة هي أمر واقع لا شكّ فيه، حتى أنّ كتيبة البراء تقوم بتصنيع السلاح في مختبرات كلية التربية بجامعة الخرطوم، ولم يعد يخفى على أحد هذه الحقيقة المرّة، وهنا يكمن الخطر الحقيقي، حين تصبح الحقيقة رهينة لعبة سياسية، يُضيع معها حقّ المدنيين في العدالة، وتتعثر مساعي كشف المسئولين عن الانتهاكات. وهذا الأسلوب يضمن بقاء الملف عالقاً في دوامة من المواربة، بينما تستمر المآسي على الأرض دون أن تُحاسب أيّ جهة، لكن ما يُميّز السياسة السودانية للحكومة الحالية في هذه الحالة ليس الحقائق، بل القدرة على إدارة السرد والكذب المستمر، ولعب دور الضحية المقهورة، والتراجع عن أي شفافية أو تعاون مع التحقيقات، مع تعويم الاتهامات في فضاء من الغموض. وهكذا حتى تصبح لعبة الاتهامات في السياسة مجرد حلبة لمناورات تبدو لوهلة بأنها ذكية، يصعب على المراقب العادي تمييز الحقيقة فيها، في وقت تتسابق فيه الأطراف إلى القفز إلى الأمام دون مواجهة حقيقة أنّ الحرب في السودان يجب أن تنتهي، وأن يحاسب مجرم الكيماوي بشكل عاجل وفوري، وأن يعود السودانيون إلى ديارهم آمنين مطمئنين .
