Connect with us

اخبار السودان

أيـَّامُ كارلوسِ في الخُرْطُوم (حِكَايَة لَمْ تُروَ) – السودان الحرة

نشرت

في


مشهد (1)
نظرة أخيرة ألقاها كارلوس على جبال عمَّان، سحب بعدها نفساً عميقاً قبل أن يدلف إلى مطار علياء الدولي… الله وحده يعلم إذا ما كانت ستتكحَّل عيناه برؤية تلك الجبال مرة أخرى أم لا. مسح كارلوس المكان بعينيه جيِّداً فعرف كل شيء، فابتسم… سِتُ عُيونٍ تُراقبُ تحرُّكاته بدقة وربَّما أكثر، هذا ما أدركه للوهلة الأولى. عَبَرَ البوابة الأولى لداخل المطار برفقة زوجته الأردنيَّة الفارعة الجميلة، ”لبنى التاجي“ بعد أن اُخضِعَ لتفتيشٍ دقيق، لم يتضجَّر منه كما كان يفعل دائماً. وقبل أن يعبُر البوابة النهائية، سمع بكاءً ونشيجاً خليطاً من أصواتٍ لطالما سمع أصداؤها تتردَّد بين الجبال… إنهم الرُفاق، كيف جاءوا؟! ومن أين عرفوا أنه مغادر؟! قذف بحقيبته على الأرض وهرول إلى حيث هُم، ليُلقي بنفسه بين أحضانهم ويبكي بكاءً مرَّاً. دُهش المسافرون من حال الرجال الخمسينيين الذين يبكون كالأطفال وهُم يتعانقون، والسِت أعيُن التي ظلَّت تراقب الموقف من بعيد، بلغ بها التوتر مبلغاً عظيماً… نداءٌ أوَّل للطائرة كان كفيلاً بانتزاع ”عبدالله بركات“ من أحضان رفاقه القدامى ليمضي باتجاه زوجته، واضعاً قُبلة الختام على خدَّيها، ثمَّ توقف ليُلقي نظرة على جسدها الفارع… لقد أربكتها تلك النظرة أياماً طوالا… ”عبدالله بركات“ هو الاسم الذي اختارته المُخابرات الأردنيَّة لـ”لينتش راميريز سانشيز“… ”كارلوس“ اسمٌ من أسمائه العديدة التي ظلَّ يُغيِّرها لأغراضٍ ما في لحظة ما، وما أكثر ما غيَّر الزمان والمكان والمُخابرات اسمه وشكله وهويته.

مشهد (2)

بالمطار، ساد قلقٌ بالغ لم يشعُر به أحد. كل شيء منظم تنظيماً دقيقاً… ثلاثة أجهزة مخابرات متباعدة تسجِّل ما يجري دون أن تتحدَّث لبعضها أو تتقاطع مهمَّتها. كان كارلوس على الأردنيين عبئاً ثقيلاً منذ أن دُفِعَ إليهم به من سوريا، حينما قرَّر حافظ الأسد فكَّ ارتباطه بالجماعات الإرهابية. فدفع بـ”كارلوس“ ورجاله إلى الأردن. ورغم علم المخابرات الأردنية بأن ضيفاً ثقيلاً قد حلَّ بين ظهرانيهم، إلا أنهم ما كانوا يستطيعون أن يرُدُّوه أو يتخذوا ضده إجراءً، لأن لـ”كارلوس“ دَيْنٌ قديمٌ في رقبة العائلة المالكة، ليس سهلاً عليها التنكُّر له… سيطر القلق على رجال المخابرات الفرنسيَّة الذين ظلوا خلف طريدتهم ”كارلوس“ منذ السبعينيات. فلفرنسا ثأرات مع كارلوس ورفاقه. تحرَّك رجال المخابرات الفرنسيَّة قريباً من كارلوس بتوتر بدا واضحاً للأردنيين الذين تخوَّفوا من تصرُّفٍ في اللحظة الأخيرة يُفسِدُ عليهم ما خططوا له لسنوات، ولذا بدأت مراقبتهم لتحرُّكات رجال المخابرات الفرنسية أكثر من مراقبة كارلوس نفسه.

على مسافة ليست بعيدة عن مسرح الأحداث التي تجري في تلك اللحظات، كان أفراد المخابرات الأمريكية يأخذون ركناً قصيَّاً مكتفين بمراقبة تحرُّكات الجميع، ولا يبدو عليهم قلق أو توتر بسبب أن الإرهاب حتى تلك اللحظة لم يكُن على قمَّة أولويات أمريكا، رغم أن نقاشاً حوله قد بدأ في أروقة السياسة والمخابرات الأمريكية. ثم إن كارلوس لم يكن يعني شيئاً لأمريكا، ولكن أفراد الـ”سي آي ايه“ يجب أن يكونوا هنالك، فالمعلومات حول أخطر شخصيَّة إرهابيَّة في السبعينيات مطلوبة بشدَّة، ثم إن تغطية عملية مطار علياء حيث يجري ترحيل كارلوس الآن لهو أمرٌ شديد الحيوية، وخاصة أن الأردن هي محطة رئيسيَّة من محطات الـ”سي آي إيه“. فمثل تلك العمليات الكبرى لا يمكن أن تجري بعيداً عن أعيُن أكبر جهاز مخابرات بالأردن.

مشهد (3)

بدا كارلوس يراقب تحرُّكات الأعيُن السِتْ التي تراقبه في ظلِّ وجود مهمَّة لا زالت تنتظره، ولا يدري كيف ستحدُث ولا من سيقوم بها، وأكثر ما كان يقلقه هو أن وجوده في مقرِّه الجديد سيكون في خطر، خاصة في ظلِّ هذه المراقبة المخابراتية لقصة سفره. فالجميع يراقب الآن ويعرف وجهته القادمة، فإذا لم يحدث ما خطط له مع الرفاق سيكون وجوده هنالك في خطر.

الرفاق كانوا قد بثوا إليه أن تنفيذ الاتفاق سيتم في اللحظة المناسبة وعليه ألاَّ يقلق… ولكن متى، وهو الآن مقبل على حيث الختم النهائي لجوازه، بعده لن يكون ممكناً فعل أي شيء. قلقٌ بالغ سيطر عليه في تلك اللحظات. في الصف الجوازات رفع رأسه محتاراً ليرى ماذا سيفعل الرفاق وهو على مقربة من خط النهائي. لا شيء، لا شيء على الإطلاق… في اللحظة التي سلَّم فيها الجواز لضابط الجوازات الأردني ليختمه، أيقن أن الرفاق خذلوه وانه منذ الآن عليه أن يكافح قَدَرَهُ وحده، وشعر بضيقٍ شديد وهو ينظُرُ لعيني الضابط وهو يقلب صفحات جوازه.

ختم الضابط الجواز بشدَّة، وبسرعة مدهشة سحب جوازاً آخر – ليس أردنياً – ليضعه تحت الجواز الأردني ويسلمه لكارلوس، قائلاً: «بالسلامة يا رفيق»!! جَرَت دمعة على خد كارلوس… لقد أدرك الآن أن رفاقه لم يتخلوا عنه، وأنهم فعلوا بطريقتهم المُدهشة ما كان ينبغي أن يفعلوه، وها قد فعلوه في اللحظة المناسبة. أخذ كارلوس جوازه الجديد لسُترته الداخلية ومضى لصالة المغادرة النهائية التي تقود لمدخل الطائرة مباشرة.

مشهد (4)

أُصيب الجميع بارتبكاك حينما أطلَّ بدهاليز المطار وزير الخارجية السوداني وبصُحبته رجال المخابرات السودانية المعروفين لدى الأجهزة الأخرى بالأردن. لم يعرف رجال المخابرات السودانيين سر الأسئلة الكثيرة التي تدفَّقت عليهم لأيامٍ بعد مغادرة وزير الخارجية من جهاتٍ عديدة، إلا بعد سنوات.

مشهد (5)

نهض ”عبدالله بركات“ من كرسيِّه ليقف متأمِّلاً المشهد الأخير بالمطار، وحركة الطائرات التي لا تهدأ بمطار علياء الدولي. سرح وهو ينظر بعيداً عبر الزجاج متذكراً لحظات عصيبة عاشها بالمطار. حين رفع رأسه ليرى صورة الملك عبدالله بن الحسين تحيط بالمكان ابتسم إذ انه عرف لهذا الرجل معروفاً لا يزال يتذكره ويذكره لجميع الذين قابلوه من بعد. لقد آواه الملك عبدالله بأريحية كاملة حين جاءه طريداً من سوريا. الملك حسين كان يرد جميلاً لكارلوس. القصة التي تُروى هي أن الملك عبدالله الثاني ملك الأردن الحالي كان على وشك أن يقع فريسة لعملية اختطاف دبَّرتها مجموعة إرهابية في الأردن وكان لكارلوس الدور الأساسي في إيصال هذه المعلومة للملك حسين، الشيء الذي أنجى الملك عبدالله الثاني من عملية اختطاف محققة، وفتح الطريق لتعود العلاقة بين جماعة كارلوس والأردن مرَّة أخرى. ولذا حين زار الملك عبدالله الثاني باريس في العام 1999م، بعث كارلوس إليه برسالة مذكراً إياه بتلك الواقعة وطالباً الأمان لزوجته الأردنية لبني التاجي قائلاً: «إنني أشكر المولى لأنه وجَّه خطاي، حين قُمتُ بإجهاض عملية اختطاف كانت تستهدف شخصكم سنة 1971م مما سمح لنا بالصُّلح مع والدكم في العام 1991م».

قطع النداء الأخير للمسافرين على الطائرة الأردنية المتجهة للخرطوم حبل أفكار عبدالله بركات، فلملم شتات أفكاره وبعض أمتعته التي سيحملها لداخل الطائرة، وعَبَرَ بوابة الطائرة مسرعاً لمقعده. تفقد بنظره المكان بسرعة كعادته، مدققا فى وجوه المسافرين، محدِّداً مداخل ومخارج الطائرة، وارتاح لاختفاء الأعين السِتْ التي ظلَّت تراقبه حتى لحظة دخوله الطائرة. لم يلبث إلاَّ لحظات قليلة حتى جلس بجانبه دبلوماسي سوداني، ثم بدأ يثرثر عن عمله وحياته وأسرته دون توقف، باذلاً معلومات قيِّمة لعبدالله بركات سيستفيد منها لاحقاً. ما عرفه عبدالله بركات استفاد منه فعلاً، أن وزير الخارجية السوداني معهم على نفس الطائرة، وهي المعلومة التي أذاعها كارلوس لاحقاً متهماً السلطات السودانية بأنها كانت تعلم بقدومه إلى السودان.

مشهد (6)

بالخارج، تنفَّس رجال المخابرات الأردنية الصعداء وهم يشاهدون الطائرة تصعد إلى الأجواء، وبجوفها أكثر الشخصيات التي تثير قلقاً ليس في الأردن فحسب، بل في العالم، وتُلقي عبئاً ثقيلاً عليهم. ما أن طار وأقلعت الطائرة، حتى طار الخبر لباريس، واستلم رجل المخابرات الفرنسي الذكي ”فليب راندو“ البرقية على عجل، وكان أكثر الناس سعادة، إذ إن ما عمل له أخيراً ها هو يتحقق في هذه اللحظات. أخذت الـ”سي آي ايه“ علماً وطوت ملفاتها وحفظتها ليوم سيأتي قريباً. كان على المخابرات الفرنسية قبل أن ترفع تقريرها كاملاً لمن يعنيه الأمر أن تُكمل عملها، ولم تتبقَّ لها سوى لقطة أخيرة هي الآن بانتظارها من الخرطوم.

مشهد (7)

بمطار الخرطوم، أعلن عن وصول الطائرة الأردنية، وكان أول المغادرين السيد وزير الخارجية. لقطة أولى… مباشرة بعد الوزير، أطلَّ كارلوس… لقطة ثانية… كانت هذه الصورة ينتظر رجال المخابرات الأردنيين ليرسلوها بسرعة لباريس: «مستر فليب راندو: ”انتهت مهمتنا وبدأت مهمتكم بالخرطوم… بالتوفيق“».
يتبع


أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك لنا تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخبار السودان

نهر النيل تشرع في تأسيس محفظتين للوقود والسلع الاستراتيجية

نشرت

في

أخبار | السودان الحرة

الخرطوم: السوداني

أعلنت حكومة ولاية نهر النيل، عن حزمة إجراءات اقتصادية عاجلة لتوفير البنزين، و4 قطع خبز بألف جنيه، والبدء في تأسيس محفظتين للوقود والسلع الاستراتيجية.
وأشار أبوبكر محمد الأمين مدير الإدارة العامة للشؤون الاقتصادية بولاية نهر النيل إلى قرار اللجنة العليا لانسياب السلع الضرورية بتثبيت سعر الخبز عند 4 قطع خبز بألف جنيه. وأكد أن مشكلة البنزين ستنتهي يوم غد، مرجعاً الندرة السابقة إلى تأخير فاتورة وزارة النفط، مبيناً أن تعديل التسعيرة الجديدة تم يوم الخميس الماضي، وستتحرك على إثره ناقلات الوقود من بورتسودان ومنطقة الهودي لمعالجة أزمة البنزين، متوقعاً استلام الولاية “حصة كبيرة”.
وأشار إلى قرار اللجنة العليا بمنع خروج السلع الأساسية خارج حدود الولاية، مع توجيه المديرين التنفيذيين بالمحليات لمراجعة وحصر المخازن الكبيرة بالأحياء.
وقال أبوبكر إن نهر النيل تمثل رأس الرمح للسودان وكل السلع الاستراتيجية تمر عبر عطبرة، كاشفاً عن اكتمال دراسات لتصدير أربعة محاصيل رئيسية هي المانجو والبطاطس والبصل والتوابل، مشيراً إلى تجهيز مخازن مبردة وجافة بالميناء البري والميناء الجاف ومطار عطبرة، بالإضافة إلى “قرية الصادر”.
وأضاف أن دخول خط السكة حديد للخدمة مطلع الشهر المقبل سيسهل عمليات التصدير للخارج، مؤكداً التواصل مع شركات متخصصة للدخول في عمليات التعبئة والتغليف.
وأعلن عن تشكيل محفظة للوقود مقابل الذهب بالشراكة مع شركات الامتياز وشركات معالجة الذهب والتعدين الأهلي وأسواق الذهب والشركة السودانية للتعدين، لافتاً إلى تكوين لجنة عليا برئاسة وزيرة المالية لتنفيذ المحفظة.
وأوضح أن رأس مال المحفظة سيكون من “الذهب الخالص”، بحيث تودع كل شركة ما يزيد عن 200 كيلو جرام من الذهب بالبنك المركزي، مشيراً إلى أن إنتاج الولاية يتجاوز 70% من إنتاج الذهب في السودان.
وتابع “سننطلق من هذه المحفظة لتأسيس محفظة للسلع الاستراتيجية، وسنكون نموذجاً لبقية الولايات والحكومة الاتحادية”.
وأكد أن منطقة الهودي ستتحول إلى مستودع احتياطي كبير للوقود، بوجود أكثر من 10 شركات عاملة بها حالياً.

أكمل القراءة

اخبار السودان

أحمد القرشي يكتب: ذهب الحدود مع مصر.. حين تُصنع الفتنة من رمال الصحراء

نشرت

في

أخبار | السودان الحرة

تبنّت ما يُعرف بحكومة تأسيس التابعة لميليشيا الدعم السريع رواية مفادها أن الطيران المصري قصف معدّنين سودانيين داخل الأراضي السودانية. ثم تلقفت مؤسسات حزبية سودانية وجهات تقدّم نفسها باعتبارها “محايدة” هذه الرواية، ورددت الاتهامات ذاتها بلا تحقيق مستقل، ولا إحداثيات دقيقة، ولا مصدر رسمي يمكن الركون إليه.

وهنا يبدأ الخطر الحقيقي.

ليس لأن دم السودانيين رخيص، ولا لأن أرواح المعدّنين البسطاء يمكن أن تُطوى في صمت. على العكس تماماً: المعدّنون السودانيون في تلك الصحارى القاسية، في أغلبهم، فقراء دفعهم انسداد الحياة والحرب وانهيار الاقتصاد إلى مطاردة الذهب في أرض لا ترحم. كثير منهم يبحث عن بعض الستر لأهله، لا عن صراع حدودي ولا عن مغامرة سياسية.

لكن المأساة أن هؤلاء البسطاء يتحولون كل مرة إلى وقود لروايات ملوثة بالتناقض، تصنعها منصات الميليشيا، وتعيد ترويجها قوى سياسية لا تتردد في دوس أبسط محرمات المسؤولية الوطنية إذا وجدت في ذلك فرصة لكسب سياسي عابر.

القضية هنا ليست إنكاراً لوقوع احتكاكات أو اشتباكات أو حتى سقوط ضحايا في مناطق التعدين الحدودية. هذه مناطق منفلتة، رخوة، متداخلة، يختلط فيها المعدّن الفقير بالمهرب، والعربة المدنية بعربة السلاح، وحفر الذهب بمسارات المخدرات والبشر والذخائر. لكن تحويل كل حادثة فيها إلى “عدوان مصري على السودان” يحتاج إلى دليل، لا إلى هتاف.

الأخطر أن من يقود هذه الرواية اليوم هي الجهة ذاتها التي فتحت أبواب دارفور لجحيم الميليشيا، وارتكبت في أهلها المجازر، ثم تريد الآن أن تتحدث باسم المعدّنين الدارفوريين والفقراء والمظلومين. يا للعجب: من أشعل النار في البيت جاء يشرح للناس خطورة الدخان.

هناك خلط متعمد بين جغرافيات مختلفة. منطقة العيقاد أو العقيدات، والأنصاري، والعلاقي، تقع في نطاق صحراوي حدودي شرقي وشمال شرقي، حيث يمارس سودانيون التنقيب منذ سنوات، وتوجد رقابة مصرية مرتبطة أساساً بمنع التهريب وحماية الحدود. وفي هذه المناطق لم تكن المشكلة، في أصلها، نزاعاً حدودياً معلناً حول ملكية الأرض، بقدر ما هي مشكلة تماس أمني، وتهريب، وتعدين عشوائي، وضعف حضور الدولة السودانية.

أما جبل العوينات، فهو قصة جغرافية أخرى؛ يقع عند المثلث الحدودي بين السودان ومصر وليبيا، وصار خلال السنوات الأخيرة ممراً خطراً لتهريب البشر والمخدرات والسلاح، وتستغل فيه بعض الشبكات تجمعات المعدّنين للتحرك والاحتماء والتسلل. وقد وقعت في هذا النطاق احتكاكات عدة، بعضها منشور ومتداول منذ عام 2024، ثم تطور الأمر في مارس الماضي إلى اشتباك أمني بالغ الخطورة، أعلنت مصر بعده مقتل ضابط كبير برتبة عميد على حدودها الجنوبية، وتحدثت دوائر مقربة عنه وعن جنود مصريين اشتبكوا مع مجموعات تهريب مسلحة.

القاهرة، رغم ذلك، لم تفتح الملف باعتباره انتهاكاً سودانياً يستدعي عقاب المعدّنين السودانيين أو التضييق على آلاف السودانيين الذين يدخلون مصر بطرق غير نظامية للعلاج أو هرباً من الحرب وغلاء التأشيرات وانسداد السبل. لم تُصعّد سياسياً، ولم تجعل من الحادثة عنواناً لعداء مع الشعب السوداني.

لكن رواية الميليشيا هذه المرة صيغت وكأن مصر تريد الاستيلاء على مناطق ذهب داخل السودان، وكأنها تطارد المعدّنين السودانيين لأنهم سودانيون. وهذه قفزة دعائية لا يساندها منطق ولا جغرافيا ولا سجل التعامل الحدودي المعروف. فمصر نفسها تعمل وتستثمر رسمياً وعبر شركاتها في نطاقات تعدين داخل مناطق تسيطر عليها أو تديرها، ولا تحتاج إلى صناعة حرب مفتوحة مع السودان حتى تبحث عن الذهب في صحراء منفلتة.

ثم إن مسألة حلايب وشلاتين، وهي قضية سودانية قائمة ومعروفة، لا ينبغي خلطها بكل حادثة تقع في الصحراء. الدفاع عن سودانية حلايب شيء، وتحويل كل اشتباك مع مهربين أو معدّنين مسلحين إلى حرب مصرية على السودان شيء آخر. هذا الخلط لا يخدم السودان، بل يخدم من يريد أن يمزق ما تبقى من علاقاته الإقليمية.

المؤلم أن سياسيين سودانيين باتوا يستسهلون استعارة الروايات غير الموثقة إذا خدمت خصومتهم مع الجيش. يرددون ما تبثه منصات الميليشيا، ثم يلبسونه ثوب السيادة. والسيادة منهم براء. فالسيادة لا تُدافع عنها ببيانات منقولة عن غرف التضليل، بل بتحقيق، وإحداثيات، وشهادات موثقة، وموقف دولة لا موقف غضب.

نعم، يجب حماية المعدّنين السودانيين. نعم، يجب التحقيق في أي سقوط لمدنيين. نعم، يجب أن تطالب الدولة السودانية بتوضيح رسمي إذا جرى عمل عسكري داخل أراضيها. لكن لا يجوز أن تتحول دماء البسطاء إلى سلعة سياسية في سوق الخراب، ولا أن تُستثمر أحزان دارفور مرة أخرى بواسطة القوى ذاتها التي تاجرت بآلامها.

القضية الحقيقية ليست أن مصر تريد السيطرة على ذهب السودان. القضية أن السودان ترك حدوده بلا دولة، وتعدينه بلا تنظيم، وفقراءه بلا حماية، وروايته بلا صوت رسمي. وفي هذا الفراغ، يدخل المهرب، وتتحرك الميليشيا، وتنتعش منصات الفتنة، ثم يُطلب من الناس أن يصدقوا كل ما يُقال لأن الدم حاضر والغضب حاضر.

لكن العقل الوطني لا يدار بالغضب وحده.

الواجب اليوم ليس الانجرار وراء فرية جديدة، ولا تبرئة أحد بلا تحقيق. الواجب هو أن تسأل الدولة السودانية وتجيب: أين وقع الحادث؟ من كان في الموقع؟ هل كان المعدّنون مدنيين بالكامل؟ هل كانت هناك شبكات تهريب مسلحة؟ هل دخلت قوة أجنبية؟ هل جرى تنسيق حدودي؟ ومن الذي يجبي من المعدّنين ويحميهم ثم ينسحب عند الخطر؟

هذه الأسئلة هي طريق الحقيقة. أما الصراخ، فهو طريق الفتنة.

إن أخطر ما في هذه الحملة أنها لا تدافع عن السودان، بل تدفعه إلى خصومة مجانية مع مصر، في لحظة يحتاج فيها السودان إلى كل سند إقليمي يحترم دولته وجيشه ووحدة ترابه. ومصر، في هذه الحرب، اختارت الوقوف مع الدولة السودانية ومؤسستها العسكرية التاريخية، لا مع الميليشيا التي خرّبت المدن وانتهكت البيوت وشرّدت الملايين.

لهذا تحديداً تريد الميليشيا ضرب العلاقة مع مصر. تريد أن يصبح كل مصري متهماً، وكل موقف مصري عدواناً، وكل حادث حدودي دليلاً على مؤامرة. إنها لا تبحث عن الحقيقة، بل عن عزلة السودان. ولا تبحث عن العدالة للمعدّنين، بل عن كسر سند الدولة.

من يصدق رواية الميليشيا بلا دليل لا يخدم الضحايا، بل يخدم القتلة.

ومن يخلط بين جبل العوينات، والعلاقي، والعيقاد، وحلايب، وبير طويل، يصنع خريطة للفتنة لا خريطة للحقيقة.

ومن يدافع عن السيادة عليه أولاً أن يدافع عن الدولة؛ لأن السيادة بلا دولة مجرد صدى في الصحراء.

أما السودان، فقد دفع من الدم ما يكفي. ولا يجوز أن ندفعه اليوم إلى حرب روايات جديدة، لأن بعض الساسة لا يجدون طريقاً إلى الضوء إلا بإشعال الحرائق.

نحن لسنا أمام نزاع حدودي جديد بين السودان ومصر، بل أمام محاولة لصناعة نزاع سياسي من مناطق تعدين رخوة، تستغلها شبكات تهريب ومنصات ميليشيا وقوى حزبية تبحث

عن أي نار لتشعل بها ما تبقى من جسور السودان.

أكمل القراءة

اخبار السودان

السودان وقطر يبحثان مُعالجة الديون وعودة الاستثمارات

نشرت

في

أخبار | السودان الحرة

الخرطوم: السوداني

بحث وزير الدولة بوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، المستشار محمد نور عبد الدائم، مع وزير المالية القطري، علي بن أحمد الكواري، سُبل تعزيز التعاون المالي والاستثماري بين البلدين، وذلك على هامش الاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الإسلامي للتنمية المنعقدة في العاصمة الأذربيجانية باكو، بحضور محافظ بنك السودان المركزي الأستاذة آمنة ميرغني علي التوم.
وتناول اللقاء، ملف معالجة ديون السودان والجهود المبذولة لإعادة هيكلة الالتزامات المالية، بما يسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتهيئة البيئة المناسبة لعودة السودان إلى الاندماج في النظام المالي الإقليمي والدولي.
كما ناقش الجانبان، التفاهمات المتعلقة بعودة الاستثمارات القطرية إلى السودان، وإعادة تنشيط نشاط المؤسسات المالية القطرية، بما في ذلك بحث استئناف عمل بنك قطر الوطني، دعماً لتدفقات التمويل والاستثمار في القطاعات الإنتاجية والخدمية.
وأكد اللقاء، أهمية توسيع آفاق التعاون المالي والاستثماري وفتح قنوات تمويل مباشرة للمشروعات ذات الأولوية، لا سيما في مجالات البنية التحتية والطاقة والخدمات الأساسية، بما يدعم جهود إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي في السودان.
وشدد الجانبان على أهمية تنسيق المواقف داخل مؤسسات التمويل الدولية والإقليمية بما يسهم في دعم السودان وتسهيل حصوله على التمويل اللازم لتنفيذ برامجه الاقتصادية والإصلاحية، بما يعزز الاستقرار والتنمية المستدامة.

أكمل القراءة

ترنديج