Connect with us

اخبار السودان

جميعهم بادروا .. إلا الدولة

نشرت

في

أخبار | السودان الحرة

✒ المبر محمود

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية دخلت إيطاليا مرحلة من التفتت الحزبي، وأصبحت سوقاً مفتوحة لتحالفات نخبوية مؤقتة ومنفصلة عن قواعدها الشعبية. وتحولت السلطة إلى ائتلافات هشة ومضطربة يتم حلها عند كل خلاف سياسي. وخلال الفترة بين عامي 1946 و1994 تعاقب على البلاد أكثر من خمسين حكومة، حتى بدا وكأن تغيير الحكومات هو الحل الوحيد للأزمة. واستمر هذا الوضع الفوضوي قرابة نصف قرن من الزمان، إلى أن تفجرت في العام 1992 فضيحة “ماني بوليتي” الشهيرة، والتي كشفت من ضمن ما كشفت أن الأزمة لم تكمن في الحكومات، ولكن في البيئة السياسية التي تنتجها؛ في الطبقة السياسية، والأحزاب، وقواعد المنافسة، وآليات إنتاج النخب، وشبكات النفوذ والتمويل التي احتكرت المجال العام. عندها أدرك الإيطاليون أن مشروع إصلاح الدولة يجب أن يبدأ بإصلاح المجال السياسي الذي يصنع السلطة في بلادهم.

عندنا، في السودان، وبعد التغيير السياسي الذي أعقب ديسمبر، سنحت للقوى السياسية والمجتمعية فرصة نادرة لإعادة بناء المجال السياسي على أسس مؤسسية ودستورية مستدامة. لكن ما حدث كان شيئاً آخر. فرغم أن القوى السياسية المتنفذة آنذاك حولت البلاد إلى ورشة كبرى لإصلاح كل شيء ابتداءً من الجيش والقضاء والخدمة المدنية، وحتى المناهج التعليمية، إلا أنها تجاهلت عن عمد مراجعة أهم ملف يحتاجه “الانتقال المدني” وهو مشروع الإصلاح الحزبي. وانشغلت ببناء السلطة على حساب بناء السياسة، مع أن الإصلاح الحزبي من أرخص مشاريع التغيير كلفة، ويعتبر من أكثرها أثراً في تحصين التحول المدني الديمقراطي وفي بناء مستقبل الدولة. كانوا يهتفون للدولة المدنية، والانتقال الديمقراطي، والتداول السلمي للسلطة، دون أن يبذلوا ولو جهداً قليلاً في صناعة بيئة سياسية منظمة، وأحزاباً قانونية ومؤسسية، تستطيع إنتاج سلطة مدنية مستقرة!

واقع الحال اليوم أن المشهد السياسي السوداني يكاد يخلو من أحزاب بالمعنى المؤسسي للكلمة. فقد تشكلت، خلال السنوات الأخيرة، طبقة سياسية مشوهة، تتداخل فيها اللافتات الحزبية مع التحالفات الفوقية، ومجموعات المصالح، والحركات المسلحة، والزعامات القبلية، والشخصيات العامة، والكيانات النقابية، حتى أصبح من الصعب التمييز بين الحزب، ومنصة الضغط، والتحالف المؤقت، ومركز النفوذ. وبالتالي تحولت الأزمة من كونها تخص الأحزاب وحدها إلى أزمة تمس الدولة نفسها؛ إذ عجزت مؤسسات الدولة القائمة عن أهم ما يحتاجه أي نظام سياسي وهي أن تكون لديه معرفة واضحة بمن هم الفاعلون السياسيون الحقيقيون، وما هي حدودهم القانونية، وكيف تكتسب شرعيتهم، وما هو الإطار الدستوري الذي يتحركون داخله، وكيف تُمارس الرقابة عليهم ومساءلتهم.

يحدث كل هذا، لأن الوعي السائد لدى قطاعات واسعة من هذه الطبقة السياسية ظل يتعامل مع الحزب باعتباره ملكاً خاصاً لمؤسسيه أو لقياداته، لا مؤسسة عامة تؤدي وظيفة دستورية. ولذلك ظلت هذه الاحزاب تطالب بدولة قانون، وفي الوقت ذاته تترفع هي نفسها عن أن تخضع لقانون ينظم نشاطها، ويضبط بنيتها الداخلية، ويفرض رقابة مالية وولاية قضائية عليها بالقدر الذي يضمن أن يكون القانون فوقها لا تحتها. فالحزب وهو الوعاء الذي يحول التنافس الاجتماعي إلى تنافس سياسي، وداخله تتجمع المصالح الاقتصادية، والانتماءات الجغرافية، والتيارات الفكرية، والطموحات الفردية، ثم تتحول إلى برامج وسياسات تتنافس وفق قواعد القانون، وحين يفقد الحزب القدرة على أداء هذه الوظيفة، لا يتوقف المجتمع عن ممارسة السياسة، بل سيمارسها من خلال القبيلة، والحركات المسلحة، والشلليات النخبوية عديمة الجذر الاجتماعي، ولوبيات المصالح. لذلك على الدولة أن تضع مشروع الاصلاح الحزبي وبناء المجال السياسي في قمة أولوياتها العاجلة، وأن لا تترك تطوير الأحزاب رهينة بإرادة القيادات التي تسيطر عليها، فقد ثبت بالتجربة التاريخية أن هذه القيادات ترتبط مصالحها ببقاء الأوضاع على ما هي عليه، لأن أي مراجعة جادة ستعيد توزيع النفوذ داخل هذه الكيانات، وستعيد تعريف من يملك حق تمثيل الناس ومن لا يملكه.

وقد يبدو هذا الواقع مريحاً للسلطة في المدى القصير، لأنه يتيح لها المناورة في مشهد سياسي غير منضبط، لكن ذلك هو الخطر الأكبر عليها. فالسلطة تستطيع التحكم في المسافة بينها وبين القوى الموالية لها، وإدارة الخلاف مع القوى المعارضة طالما كانت هذه القوى واضحة المعالم، ومنضبطة داخل مجال سياسي معلوم، يمكنها التنبؤ بحركته، ويملك مؤسسات معروفة وقيادات محددة يمكن مساءلتها، والتفاوض معها، وإلزامها بما تلتزم به. أما عندما يصبح المجال السياسي مجهولاً، تفقد الدولة قدرتها على فهمه، وبالتالي تفقد قدرتها على التحكم فيه أو إدارته.

لهذا يصبح تنظيم المجال السياسي مصلحة مباشرة للسلطة القائمة قبل أن يكون مطلباً للمجتمع. والمطلوب ليس صناعة أحزاب موالية، ولا البحث عن حاضنة أو حلفاء جدد، وإنما بناء فضاء سياسي معلوم الفاعلين، واضح الحدود، يمكن إدارة الاتفاق والاختلاف داخله وفق قواعد مستقرة. ويبدأ ذلك بتعريف قواعد التنافس السياسي، عبر خمسة إجراءات لا يستقيم أي انتقال سياسي من دونها، أولها قانون حديث للأحزاب يراجع أوضاعها القانونية، ويقيس استيفاءها لمعايير العضوية والديمقراطية الداخلية والانتشار والشفافية المالية، ويربط الاعتراف الرسمي بها بهذه المعايير، بما يدفع الكيانات الصغيرة إلى الاندماج الطبيعي في قوى أكثر تمثيلاً، ويحد من ظاهرة الانشطارات التي حوّلت الحزب الواحد إلى عشرات الكيانات المتنازعة على الاسم والشرعية. ويكتمل هذا المسار بقانون لمفوضية مستقلة للانتخابات، وقانون للإعلام يضمن تكافؤ الفرص ويمنع احتكار الخطاب العام، وقانون للعدالة الانتقالية يعالج إرث الانتهاكات ويمنح العملية السياسية غطاءً أخلاقياً يُطمئن الداخل والخارج معاً، وقانون لتنظيم الهيئات والإدارة الأهلية يعيد صياغة العلاقة بين الحكومة والزعامات القبلية والإدارات الأهلية ضمن أطر مؤسسية معترف بها بدل تركها قوة مضادة أو موازية للدولة. هذه المنظومة التشريعية، إن أُنجزت في زمن قياسي وبإشراف مستقل ذي مصداقية، كفيلة بتحويل الجدل السياسي الحالي من نزاع فوضوي بلا قواعد إلى تنافس منضبط يعزز حضور الدولة، ويحجّم نفوذ الميليشيات والقوى الموازية، ويرسل رسالة طمأنة واضحة للمجتمع الدولي حول جدية المسار الانتقالي.

دون اتخاذ هذه التدابير لن تستطيع السلطة العامة مهما فعلت أن تفرض تنظيم المجال السياسي بالقانون، كما ستفشل كل محاولاتها في انتزاع الشرعية من الحواضن المصنوعة أو المراقبين الخارجيين، ولذلك على ممثلي الدولة التحلي بالجرأة ونقل الدولة من موقعها الراهن كمتلقي للمبادرات، إلى موقعها الطبيعي كواضعة لقواعد اللعبة، ولعل صانع القرار، الذي لا يتوقف مكتبه عن استقبال المبادرات، يدرك أكثر من غيره أن كثيراً من الكيانات التي تعرض عليه إنقاذ الدولة هي نفسها تحتاج لمن ينقذها من التشرذم والانقسام.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك لنا تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخبار السودان

تركيا تتعهّد بدعم سيادة السودان وإعادة إعماره

نشرت

في

أخبار | السودان الحرة

أنقرة – السوداني

عقد وزير الخارجية والتعاون الدولي، د. محيي الدين سالم، اليوم في العاصمة التركية أنقرة، جلسة مباحثات ثنائية مع نظيره التركي هاكان فيدان، تناولت سُبل تعزيز العلاقات الثنائية وتطوير التعاون المشترك بين البلدين.

وأكد الوزيران خلال اللقاء، اعتزازهما بمستوى العلاقات السودانية – التركية، مشددين على أهمية توسيع أُطر التعاون في المجالات الاقتصادية، والتجارية، والاستثمارية، والطاقة، والزراعة، إلى جانب بناء القدرات وتبادل الخبرات.

استعرض الوزير محيي الدين سالم، جهود الدولة لاستعادة الأمن والاستقرار، وحماية سيادة البلاد ووحدتها، مثمناً الدعم الإنساني والمواقف التركية المساندة للمؤسسات الوطنية للسودان.

من جانبه، جدد وزير الخارجية التركي، موقف بلاده الثابت الداعم لوحدة السودان وسيادته، مؤكدًا استمرار أنقرة في تقديم الدعم الإنساني ومساندة جهود تحقيق السلام وإعادة الإعمار.

تبادل الجانبان، الرؤى حول أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، والتحديات الأمنية والإنسانية بالمنطقة، مع التأكيد على أهمية التنسيق المشترك لمواجهتها.

وعلى هامش المباحثات، وقّع الجانبان، مذكرة تفاهم للتعاون في مجال التدريب الدبلوماسي بين الأكاديمية الدبلوماسية التركية والمعهد الدبلوماسي السوداني، تهدف إلى تبادل الخبرات، وتنظيم البرامج والدورات التأهيلية لتطوير قدرات الكوادر الدبلوماسية في البلدين.

واتّفق الطرفان في ختام اللقاء على مواصلة التشاور والتنسيق الدوري للارتقاء بالشراكة الاستراتيجية بين الخرطوم وأنقرة إلى آفاق أوسع.

أكمل القراءة

اخبار السودان

قرار مفاجئ بشأن المواتر في ولاية سودانية – السودان الحرة

نشرت

في

أخبار | السودان الحرة

الخرطوم: السودان الحرة

وفق قرار ممهور بتوقيع الأمين العام لحكومة الجزيرة مرتضى أحمد إسماعيل البيلي.

أصدرت السلطات في ولاية الجزيرة، قرارًا قضى بحظر حركة المواتر بعد الساعة السادسة مساءً بكلّ لولاية.

أكمل القراءة

اخبار السودان

ضوابط لعمل المقاهي ومحطات الوقود وعمل المواعين النيلية بالخرطوم

نشرت

في

أخبار | السودان الحرة

الخرطوم – السوداني 

أقرّت لجنة تنسيق شؤون أمن محلية الخرطوم خلال اجتماعها اليوم، برئاسة المدير التنفيذي للمحلية عبد المنعم البشير، جملة من القرارات والإجراءات الخاصة بضبط الأمن وفرض هيبة الدولة والتنظيم وإزالة المظاهر السالبة. 

وقرّرت اللجنة وضع ضوابط مشددة لعمل المقاهي تشمل المتابعة الدورية لمعرفة مدى التزامها بالضوابط المحددة من قبل لجنة الأمن، بجانب مراعاة الاشتراطات الإدارية والصحية اللازمة التي تخول ممارسة النشاط بالتنسيق مع وزارة الثقافة والإعلام والسياحة بالولاية.

كما وجهت بوضع مراقبة لمحطات الوقود من قبل الأجهزة النظامية والتشديد على الضوابط في صرف وتزويد المركبات بالوقود في إطار مكافحة تهريب المواد البترولية.

ووجهت اللجنة بالتشديد على قرار حظر عمل ورش صيانة السيارات داخل الأحياء السكنية وإلزام أصحابها بعدم صيانة السيارات المتعرضة للحوادث إلا بعد استخراج إذن وإفادة من شرطة المرور.

وشددت اللجنة على إنفاذ قرار حظر التجوال الليلي المحدد بالساعة 11 ليلاً، بجانب إغلاق جميع المحلات التجارية والأسواق في ذات التوقيت.

وقررت اللجنة حظر عمل المواعين النيلية والقطع البحرية السياحية بعد الساعة السابعة مساءً.

ووجهت بمواصلة تنفيذ الأطواق الأمنية بمناطق الهشاشة وبؤر الجريمة، إضافةً إلى تكثيف الأطواف الأمنية المتحركة وتدعيم الارتكازات الثابتة بتشكيل من القوات النظامية بالمناطق الحاكمة والكباري والمعابر في إطار مكافحة الجريمة العابرة.

أكمل القراءة

ترنديج