Connect with us

اخبار السودان

صاحب غضبة مُضرية

نشرت

في

صاحب غضبة مُضرية


– سألني: ماذا يدور في بلادنا الآن؟ وقبل أن أجيبه صاح بانفعال: بلدٌ تراجعت فيه قيم الداخل وتكسَّحت أمام قيم الخارج، بلدٌ يتقزَّم فيه الفقيه ويتعملق السياسي، ويرتفع (ثيرمومرتر) الفوضى وينحدر مؤشر النظام.
– قلت أراك مغرماً بالتعميم، وتأخذ الكثرة بجريرة القلَّة، وغضبتك هذه مقترنة بشيءٍ من المبالغة.
– قال موبِّخاً: ألا تلاحظ رواج موضاتٍ خاوية المضمون (قِشرة يعني)، وتقليدًا مظهريًّا قميئاً مستمدًا من إفرازات سالبة تجلَّت في أعنف موجة تحدٍ لمجتمع مسالم ومتكافل ومسامح وعفيف، وطفحت في ساحتنا سلوكيات شينة تعافها الفطرة، وتمجُّها حتى (سدوم).
– قلت: لم تتخذ هذه السلوكيات شكل الظاهرة بعد، وربما لا تزال خافية على الأعين، فعلام الانفعال؟
– تأوه، وخاطبني متهكِّماً: لم تعُد الأفعال الآثمة محميًّة بأسوار وحيطان، ولا مُستترة بالهمس أو قاصرة على التناجي؛ بل أخذت المجاهرة بالمعصية شكل العلن، مصحوبة بالتندُّر على المجتمع، والاستهزاء بالعبادات ودورها ومقارها، والمناداة بتحويلها إلى حانات وأندية للعراة، ونخشى أن يرتفع قريباً (نباح) أحدهم يطالب علناً بتحويل مقرات المحاكم إلى مراقص… شباب وشابات تطحنهم رحى كيانات سياسية ناشزة، ويلفحهم شواظ جنوحها، ويستهويهم استهزاؤها ولفظُها للثوابت والأصول.
– قاطعته: أنت تتجتى على شبابنا وكنداكاتنا لهيب الثورة…
– كان أسرع في المقاطعة والتعبير عن استهجانه وتأفُّفِه وهو يتابع بذات الحدَّة:
أولاد وبنات في زهوة الشباب ونضارته يجاهرون بنداءات تتجاوز أعمارهم الغضة، ويفصحون عن رغبات مستفِزَّة ومجنونة، ربما دون وعي أو إدراك لمخاطرها، ولا لهبَّة الاستنكار الغاضبة المصحوبة باللعنات والويل والثبور من الغيورين على دينهم ومجتمعهم.
– قلت رويدك يا رجل، واستهللت خُطبة لتسكين وجعه: إن أردنا الإنصاف ليس علينا الاستعجال في دمغ فتياتنا بأنهن (نسوة المدينة) ولا شبابنا بأنهم (رهط مدين)، حاشا أن يكونوا مجرد (أراجوزات) يتواصل تحريكها من وراء ستار، ولا هم (سقط متاع) متناثر من ركائب نشامى الثورة المفعمين بالحس الوطني.
– تأهَّب لمقاطعتي؛ لكني لم أمنحه الفرصة ليواصل نفخ لهب مفرداته نحو أبنائنا وبناتنا، فتابعت خِطبتي العصماء: شبابنا، (دُخرينا) لمستقبلنا يا صديقي، وإن كان لديهم ثمة جنوح، فهو نتاج حقيقي لغفلة الأسرة التي أهملت التفاعل معهم، وأسلمتهم لأجهزتهم الذكية حيث التجوال الحر في عوالم لا حدود لها ولا سدود، وفاقمت من ضياعهم هشاشة دولة أوكلتهم لنظام تعليم متذبذب ومتراجع، وجفَّفت منابع التوظيف أمامهم، وحرمتهم فرص التأهيل والتدريب والابتعاث بالجامعات والمراكز المتخصصة، وغيَّبت عنهم المشروعات الإنتاجية، وتركتهم بالتالي نهباً لمافيا الشارع وعبدة الثروات، وفريسة لأنياب (دراكولا) الإغواء والإفساد الإسفيري فكراً وسلوكاً.. ولذا فهم بريئون من إنفعالاتك.
– لم يُلجمه خطابي، فانقض عليَّ راغياً زابدًا: بلادنا تعيش حالة من الانتكاس والارتكاس، عودة ورِدَّة ظلامية، ألا تهتز ويتمعَّر وجهُك لما يحدُث: وطءٌ على المبادئ، تدنيس لمفهوم الحرية، امتهان لقيم العدل، تسفيه للقوانين، تعطيل لمسيرة الاقتصاد، تعفير لمفهوم التغيير، وذلك رغم الشعارات المُحلِّقة بجناحي (ابن فرناس)، والوعود (البالونية) التي يُطلقها حملة لواء الهويات الهجين، والولاءات المزدوجة.
– راودني الإحساس بأن الرجل بانفعاله هذا سيستدعي شطر بيت بشار: “إذا غضبنا غضبة مُضرية” فآثرت الصمت إيثاراً للسلامة.



أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك لنا تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخبار السودان

وفاة رئيس نادي المريخ السوداني السابق – السودان الحرة

نشرت

في

أخبار | السودان الحرة

الخرطوم: السودان الحرة

بحسب الموقع الرسمي للنادي

أعلن نادي المريخ السوداني، وفاة رئيسه السابق، عمر النمير، مساء اليوم العاصمة المصرية القاهرة

أكمل القراءة

اخبار السودان

هجوم مباغت لميليشيا الدعم السريع والجيش يتصدى – السودان الحرة

نشرت

في

أخبار | السودان الحرة

الخرطوم: السودان الحرة

وفق ما أشارت.

كشفت تقارير، عن هجوم مباغت وكبير شنّته ميليشيا الدعم السريع في الساعات الأولى من فجر اليوم الجمعة على منطقة البركة بإقليم النيل الأزرق.

وأفادت التقارير، أنّ الجيش تصدى للهجوم، فيما لا زالت المعارك مستمرة.

أكمل القراءة

اخبار السودان

فتى كسَلا ووجع الحياة! – السودان الحرة

نشرت

في

أخبار | السودان الحرة

كم أحزنني خبر الشابِّ السوداني المسكين الذي حاول الانتحار قرب الجامع الكبير في مدينة كسَلا شرق السودان.

أخفق الشابُّ في محاولته بعدما تسلّق عمود كهرباء في محيط الجامع، لينتحر من فوقه، ما دفع عشرات المواطنين إلى التجمع في المكان ومحاولة إقناعه بالعدول عن قراره والنزول.

بعد محاولات حثيثة ولحظات صعبة وتصاعد ونزول في المشاعر، أفلح بعض الجمهرة الحاضرة في إقناع الشاب بالعدول عن الانتحار، والنزول من عمود الموت.

إلى هنا والخبر بالنسبة إليّ من الأخبار العادية، صحيحٌ أن إزهاق أي روح سواء بالانتحار الذاتي أو بالنحر من آخر، أو بأي وسيلة كان الموت، هو من الأخبار القاتمة، لكن القتامة بالنسبة إليّ لم تأتِ بعد في هذا الخبر.

بعد نزول الشابِّ من أعلى عمود الموت، أخذه الناس وسلَّموه للسلطات، وقبل ذلك انهالوا عليه ضرباً وشتماً!!

لماذا… ألم يكفهِ ما بهِ؟!

نبتعد عن هذه الحالة ونقلع بعيداً عن فناء جامع كسَلا شرق السودان… تبتعد الكاميرا عن الجموع حتى يصبحوا حفنة من النقاط الصغيرة في الصورة الكبيرة.

دوافع الانتحار البشري وبواعثه كثيرة؛ من الهشاشة النفسية، والانسحاق العاطفي، ومنها عدم القدرة على التعايش مع صدمة ما في الحياة، ومنها انسداد الأفق وانغلاق المستقبل واضمحلال الأمل، «ما أضيق العيش لولا فُسحة الأملِ».

هناك أسباب شخصية فردية لا علاقة لها بوضع المجتمع نفسه، ففي بعض الدول الغنيّة جدّاً مثل اليابان وبعض الدول الاسكندنافية، سُجّلت نِسبٌ عالية للانتحارات الفردية.

لكنّ هناك أسباباً تتصل أحياناً بالوضع العام، أو أن الوضع العام الكئيب، يحفّز بعض من لديه الاستعداد لسلوك انتحاري مثل هذا.

لذلك يكون التضامن الاجتماعي والدعم العاطفي وقاية وحماية لمثل هؤلاء، ألم تقل الخنساءُ وهي تواسي نفسها في موت أخيها الغالي، صخر:

ولولا كثرة الباكين حولي/ على إخوانهم… لقتلتُ نفسي!

الأمر الآخر، في سلوك جمهور جامع كسَلا الكبير – وهنا تعود الكاميرا من جديد للميدان الذي تركته – في هذا السلوك كشفٌ لفداحة الجهل الذي يسوق الناس لمضاعفة البلاء على المساكين من أمثال الشابِّ المتعلّق بعمود الكهرباء… فهو يحتاج لمواساة وربما إلى علاج، وليس إلى الضرب والركل والتوبيخ.

بالمناسبة، دوماً أقول لبعض الأصدقاء حين يردُ الحديث عن مجانين السوشيال ميديا الذين تنشقُّ أرض السوشيال ميديا كل يومٍ عن عشرات «المهابيل» منهم، أقول إن عِلّتنا تكمن في نقص الأسرّة الطبيّة النفسية لاستيعاب هؤلاء، عِوض الوقت الضائع في النقاش حولهم وعنهم!

أعاننا اللهُ أجمعين على متاعب الحياة.

قال محمود درويش:

«فإنَّ أسباب الوفاة كثيرةٌ من بينها: وجعُ الحياة»!

نقلاً عن الشرق الأوسط

أكمل القراءة

ترنديج