Connect with us

اخبار السودان

(أرض الخير) تودع السر قدور

نشرت

في

(أرض الخير) تودع السر قدور


الخرطوم: السودان الحرة
أغمض الشاعر والكاتب والموسيقار السوداني السر أحمد قدور عينيه للأبد في العاصمة المصرية القاهرة، عن عمر يناهز 88 عاماً. ونعى صحافيون وفنانون وسياسيون وناشطون على وسائل التواصل الإجتماعي، قدور الذي ولد بقرية الجباراب، منطقة أمبوري، جنوب مدينة الدامر حاضرة ولاية نهر النيل في شمال السودان.
والسر قدور شاعر غنائي سوداني متعدد المواهب فهو ايضا ممثلاً مسرحياً وله مساهمات بارزة في فنون الدراما السودانية، خاصة مع بداية ظهور التلفزيون في مطلع ستينات القرن الماضي. كما إنه ملحن للقصائد الغنائية ومادح انشاد ديني ومقدم برامج تلفزيونية، وهو كذلك صحفي عمل في مجالات السياسة والفنون والمنوعات والرياضة وكاتب له مؤلفات وثائقية في فن الغناء والفنانين المغنيين في السودان ويعد من الجيل الثاني لرواد فن الحقيبة الموسيقي السوداني. ونشأ قدور في بيئة فنية كبيرة تتكون من ممثلين وشعراء ومطربين معروفين لدى سكان مدينة الدامر وضواحيها والمشهورة بشعرائها وأدبائها الكبار أمثال الشاعر محمد المهدي المجذوب والعالم الأديب عبد الله الطيب. فقد كان والده أحمد قدور مادحاً يلقي الإنشاد الديني وقصائد مدح الرسول (صلى الله عليه وسلم) وكان مغني المنطقة في ثلاثينات القرن الماضي، وكان جده من ناحية أمه شاعراً وكذلك الحال بالنسبة لجده من ناحية أبوه وعماته التوأمتان أم الحسن وأم الحسين حيث كانتا تأديان المديح والغناء وتقرضان الشعر، ويعتبر أخوانه الثلاثة من الشعراء الكبار: عبد المنعم قدور، وله ديوان بعنوان «عودة» وعمر قدور وله ديوانان «عيون الآخرين وصوت من السماء» ومحمد أحمد قدور شاعر معروف.
شق قدور طريقه إلى دار الإذاعة السودانية في وقت مبكر من حياته وعمل مع مجموعة من الممثلين المسرحيين في إعداد وتقديم التمثيليات الإذاعية القصيرة التي تبث ضمن برامج إذاعية أخرى مثل برامج الأسرة أو المرأة أو الطفل أ والتعاون أوالإرشاد الزراعي والصحي وغيرها وكان من بين هؤلاء الممثلين عثمان حميدة صاحب شخصية «تور الجر» وعبد الوهاب الجعفري، وعثمان اللورد، والفاضل سعيد، وأحمد عاطف وإسماعيل خورشيد. وعندما بدأ الإرسال التلفزيوني في السودان في مطلع ستينيات القرن الماضي شارك قدور في تقديم تمثيليات قصيرة على الهواء يتم تقديم معظمها ارتجالاً وبتلقائية. وعمل قدور بإذاعة ركن السودان، وإذاعة وادي النيل وقناة النيل الأزرق الفضائية. كما عمل السر قدور في المسرح أيضا مع أحمد عاطف والفاضل سعيد وعثمان حميدة، وكتب عدداً من النصوص المسرحية من بينها مسرحية «المسمار» التي أدى دور البطولة فيها الممثل السوداني علي مهدي في ثمانينيات القرن الماضي ومسرحيات «الرجل الذي ضحك أخيراً» و«شهر العسل الرابع» و«يحلها الشربكها». وبانتشار ظاهرة سفر الفرق الفنية للأقاليم بالسودان في خمسينيات وستينيات الفرن الماضي لتقديم عروضا للجمهور هناك، انضم قدور إلى تلك القوافل وكتب عنها كتيرا في موضوعاته الصحفية. كما كتب قدور العديد من القصائد الغنائية الناجحة التي تغنى بها مطربون كبار ومن بينها قصيدة «أرض الخير» التي قام بآدائها إبراهيم الكاشف وأغنية «ست البنات» لصلاح ابن البادية و«حنيني إليك» أداء محمد ميرغني، و«أنا بهواك» غناء صلاح محمد عيسى وقصيدة «إتلاقينا مرة» للعاقب محمد حسن.وغنى له القلع عبد الحفيظ «لاموني فيك الناس» وأيمن دقلة «فرح الليالي». كما غنت له الفنانة وردة الجزائرية قصيدته «أسألوا الورد». وقامت المطربة السورية زينة افطيموس بتجديد أداء قصيدتة «أسمر جميل» التي غناها إبراهيم الكاشف. والسر قدور مؤلف كتب، وقد صدرت له أربعة مؤلفات في توثيق فن الغناء السوداني والمغنين السودانيين وكان أحدهما بعنوان «الفن السوداني في خمسين عاماً 1908-1958» والآخر بعنوان «الحقيبة شعراء وفنانون» والثالث كتاب «أحمد المصطفى فنان العصر». والرابع هو كتاب «الكاشف أبو الفن». وبذلك يكون قد أسهم في تشكيل مكتبة الغناء السوداني، فضلاً عن أنه مدير لمؤسسة في القاهرة تعني بنشر الأعمال الأدبية والفنية هي مؤسسة الشراقة للطباعة والنشر .ومن أعماله الشهيرة أيضاَ تقديم برنامج «أغاني وأغاني» الرمضاني على شاشة تلفزيون قناة النيل الأزرق والذي ظل قدور يقدمه في موسم رمضان منذ عقد ونصف، ووجد تجاوباً من جمهور المشاهدين لما تتميز به من بساطة وعفوية في التقديم.


أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك لنا تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخبار السودان

جامعة الأمهات تحتاجكم

نشرت

في

أخبار | السودان الحرة

د. عمار حسن خميس

أطلقتُ عليها اسم (جامعة الأمهات) تيمّنًا بأن الإنسان يلين قلبه إذا خُوطب من جهة الأم؛ فحتى عندما غضب سيدنا موسى عليه السلام وألقى الألواح بعد أن ارتدّ بنو إسرائيل واتّبعوا السامري، ثم أخذ بلحية أخيه هارون، قال له هارون: «يا ابنَ أُمَّ». ومن هنا جاءت التسمية، فهي جامعة نشأت بروح الأمومة، وتوجّهت إلى أهم عنصر في المجتمع: الأم، أو أمّهات المستقبل.

وقد تكون هذه الجامعة – في تاريخ العالم – من أوائل الجامعات التي خُصّصت لتعليم البنات، وربما الأولى في الشرق الأوسط وإفريقيا جنوب الصحراء. قامت هذه الجامعة الفتية لتعليم المرأة وإعدادها، إدراكًا لدورها المحوري في نهضة المجتمع. ولا يخفى على أحد بيت الشعر الخالد لأمير الشعراء أحمد شوقي:

الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتَها  

أعددتَ شعبًا طيّبَ الأعراقِ

ما أحوجنا اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى إعداد الأمهات إعدادًا صحيحًا، وتمكينهن من قيادة المجتمع نحو الخروج من متاهات الجهل والتخلّف. فالأم هي الركن الركين في صلاح المجتمع واستقامته.

 جامعة الأحفاد… ريادة ورسالة

جامعة الأحفاد هي الجامعة التي بدأت هذا المسار منذ القرن الماضي، ولا تزال تبث رسالتها وستظل. ولعلّ كثيرين لا يعرفون أن هذه الجامعة – التي تشرفتُ بالعمل فيها أربعة عشر عامًا بدأتُ خلالها مسيرتي الأكاديمية كمساعد تدريس – كانت صاحبة فضل كبير في ابتعاثي إلى فرنسا وتطوير مهاراتي العلمية. ولستُ حالة خاصة؛ فالجامعة صنعت ذلك مع كل منسوبيها، سواء من بقي فيها أو من غادرها.

جامعة الأحفاد لا تحاسب من يرحل، ولا تُمسك على أحد «وصل أمانة»؛ فهي تُعدّ الإنسان لنفسه أولًا، ومن رضي بالعودة والعمل فيها فمرحبًا به، ومن غادرها فهي لا تغادره. نهجها الفائدة، ورسالتها التعليم الحقيقي المرتبط بسلامة المجتمع.

برامجها تقوم على التنمية الريفية كأساس مهما كان التخصص، ونهجها الاجتماعي يربط كل دارس ومنسوب لها بأقاليم السودان المختلفة. فهي ليست قاعات درس ومجلدات ورقية فقط؛ بل هي جامعة إنسان، ورسالتها تغيير حياة الناس للأفضل.

وقد اختارت الجامعة وسيلتها من حديث النبي ﷺ حين سُئل: «من أحق الناس بحسن صحابتي؟» قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أبوك». فهي بذلك تعدّ من هي مسؤولة عن ثلاثة أرباع المجتمع.

 شهادة شخصية

أشهد الله أنني في بداياتي عملت مع الأب المربي يوسف بدرى رحمه الله لأكثر من ستة أشهر في ما كان يُعرف بـ«صالون العميد». لم يكن له مكتب؛ بل كان يدير كل شيء من صالون بسيط، على طاولة صفراء مكدّسة بالملفات يعرف مواقعها بدقة لا يلمسها غيره.

راجعت معه ميزانية الجامعة لثلاث سنوات، وكان العجز ظاهرًا، فسألته: «يا سعادة العميد، الأحفاد شغّالة كيف؟»

فقال ببساطة: «شغّالة بالشعب السوداني».

وهكذا كانت؛ قائمة على الخيرين الذين يعرفون دورها، وعلى دعم المنظمات والبلدان التي أدركت رسالتها. فخرجت الجامعة أمهاتٍ ذوات قيمة تعليمية تنافسية على أعلى مستوى.

الضرر الذي أصاب الجامعة

جامعة الأمهات أصابها ما أصاب السودان من ضرر. ولأنني أعلم أنها لا تملك أرصدة مالية ضخمة ولا ممتلكات في أي مكان، رغم جلال رسالتها، فقد كانت دائمًا ترفض حرمان أي أم من التعليم بسبب عدم القدرة على دفع الرسوم. كما منحت منحًا لعدد كبير من الطالبات من مختلف دول إفريقيا.

لكن الجامعة تعرّضت لنهب ودمار كبيرين، حتى إن إعادة تجهيزها تحتاج إلى ملايين الدولارات. واليوم، هي في أمسّ الحاجة إلى الدعم لاستعادة أدواتها التعليمية ومرافقها الأساسية.

 نداء إلى الشعب السوداني

جامعة الأمهات تناديكم جميعًا: الشعب السوداني، والخيرين، وأصحاب المروءة.

لا أناشد القادرين فقط؛ بل أناشد كل من يملك فضل ظهر: فكرًا، أو مالًا، أو جهدًا.

هذه الجامعة هي مرتع أمهاتكم، ومسقط رأس إعدادهن. كما أناشد الحكومة أن تمنحها دعمًا إداريًا خاصًا، فهي تكفّلت بإعداد ثلاثة أرباع المجتمع علمًا وثقافة وصحة وإلهامًا.

لقد خرج هذا النداء مني حين قرأت إعلان البروفيسور قاسم – حفظه الله – بعودة جامعة الأحفاد إلى مقرها بأم درمان. وأناشدكم أن تهبّوا لدعمها، فأنتم تدعمون أمهاتنا ومستقبل سوداننا.

اللهم إني قد بلّغت، اللهم فاشهد.

أكمل القراءة

اخبار السودان

نهر النيل تشرع في تأسيس محفظتين للوقود والسلع الاستراتيجية

نشرت

في

أخبار | السودان الحرة

الخرطوم: السوداني

أعلنت حكومة ولاية نهر النيل، عن حزمة إجراءات اقتصادية عاجلة لتوفير البنزين، و4 قطع خبز بألف جنيه، والبدء في تأسيس محفظتين للوقود والسلع الاستراتيجية.
وأشار أبوبكر محمد الأمين مدير الإدارة العامة للشؤون الاقتصادية بولاية نهر النيل إلى قرار اللجنة العليا لانسياب السلع الضرورية بتثبيت سعر الخبز عند 4 قطع خبز بألف جنيه. وأكد أن مشكلة البنزين ستنتهي يوم غد، مرجعاً الندرة السابقة إلى تأخير فاتورة وزارة النفط، مبيناً أن تعديل التسعيرة الجديدة تم يوم الخميس الماضي، وستتحرك على إثره ناقلات الوقود من بورتسودان ومنطقة الهودي لمعالجة أزمة البنزين، متوقعاً استلام الولاية “حصة كبيرة”.
وأشار إلى قرار اللجنة العليا بمنع خروج السلع الأساسية خارج حدود الولاية، مع توجيه المديرين التنفيذيين بالمحليات لمراجعة وحصر المخازن الكبيرة بالأحياء.
وقال أبوبكر إن نهر النيل تمثل رأس الرمح للسودان وكل السلع الاستراتيجية تمر عبر عطبرة، كاشفاً عن اكتمال دراسات لتصدير أربعة محاصيل رئيسية هي المانجو والبطاطس والبصل والتوابل، مشيراً إلى تجهيز مخازن مبردة وجافة بالميناء البري والميناء الجاف ومطار عطبرة، بالإضافة إلى “قرية الصادر”.
وأضاف أن دخول خط السكة حديد للخدمة مطلع الشهر المقبل سيسهل عمليات التصدير للخارج، مؤكداً التواصل مع شركات متخصصة للدخول في عمليات التعبئة والتغليف.
وأعلن عن تشكيل محفظة للوقود مقابل الذهب بالشراكة مع شركات الامتياز وشركات معالجة الذهب والتعدين الأهلي وأسواق الذهب والشركة السودانية للتعدين، لافتاً إلى تكوين لجنة عليا برئاسة وزيرة المالية لتنفيذ المحفظة.
وأوضح أن رأس مال المحفظة سيكون من “الذهب الخالص”، بحيث تودع كل شركة ما يزيد عن 200 كيلو جرام من الذهب بالبنك المركزي، مشيراً إلى أن إنتاج الولاية يتجاوز 70% من إنتاج الذهب في السودان.
وتابع “سننطلق من هذه المحفظة لتأسيس محفظة للسلع الاستراتيجية، وسنكون نموذجاً لبقية الولايات والحكومة الاتحادية”.
وأكد أن منطقة الهودي ستتحول إلى مستودع احتياطي كبير للوقود، بوجود أكثر من 10 شركات عاملة بها حالياً.

أكمل القراءة

اخبار السودان

أحمد القرشي يكتب: ذهب الحدود مع مصر.. حين تُصنع الفتنة من رمال الصحراء

نشرت

في

أخبار | السودان الحرة

تبنّت ما يُعرف بحكومة تأسيس التابعة لميليشيا الدعم السريع رواية مفادها أن الطيران المصري قصف معدّنين سودانيين داخل الأراضي السودانية. ثم تلقفت مؤسسات حزبية سودانية وجهات تقدّم نفسها باعتبارها “محايدة” هذه الرواية، ورددت الاتهامات ذاتها بلا تحقيق مستقل، ولا إحداثيات دقيقة، ولا مصدر رسمي يمكن الركون إليه.

وهنا يبدأ الخطر الحقيقي.

ليس لأن دم السودانيين رخيص، ولا لأن أرواح المعدّنين البسطاء يمكن أن تُطوى في صمت. على العكس تماماً: المعدّنون السودانيون في تلك الصحارى القاسية، في أغلبهم، فقراء دفعهم انسداد الحياة والحرب وانهيار الاقتصاد إلى مطاردة الذهب في أرض لا ترحم. كثير منهم يبحث عن بعض الستر لأهله، لا عن صراع حدودي ولا عن مغامرة سياسية.

لكن المأساة أن هؤلاء البسطاء يتحولون كل مرة إلى وقود لروايات ملوثة بالتناقض، تصنعها منصات الميليشيا، وتعيد ترويجها قوى سياسية لا تتردد في دوس أبسط محرمات المسؤولية الوطنية إذا وجدت في ذلك فرصة لكسب سياسي عابر.

القضية هنا ليست إنكاراً لوقوع احتكاكات أو اشتباكات أو حتى سقوط ضحايا في مناطق التعدين الحدودية. هذه مناطق منفلتة، رخوة، متداخلة، يختلط فيها المعدّن الفقير بالمهرب، والعربة المدنية بعربة السلاح، وحفر الذهب بمسارات المخدرات والبشر والذخائر. لكن تحويل كل حادثة فيها إلى “عدوان مصري على السودان” يحتاج إلى دليل، لا إلى هتاف.

الأخطر أن من يقود هذه الرواية اليوم هي الجهة ذاتها التي فتحت أبواب دارفور لجحيم الميليشيا، وارتكبت في أهلها المجازر، ثم تريد الآن أن تتحدث باسم المعدّنين الدارفوريين والفقراء والمظلومين. يا للعجب: من أشعل النار في البيت جاء يشرح للناس خطورة الدخان.

هناك خلط متعمد بين جغرافيات مختلفة. منطقة العيقاد أو العقيدات، والأنصاري، والعلاقي، تقع في نطاق صحراوي حدودي شرقي وشمال شرقي، حيث يمارس سودانيون التنقيب منذ سنوات، وتوجد رقابة مصرية مرتبطة أساساً بمنع التهريب وحماية الحدود. وفي هذه المناطق لم تكن المشكلة، في أصلها، نزاعاً حدودياً معلناً حول ملكية الأرض، بقدر ما هي مشكلة تماس أمني، وتهريب، وتعدين عشوائي، وضعف حضور الدولة السودانية.

أما جبل العوينات، فهو قصة جغرافية أخرى؛ يقع عند المثلث الحدودي بين السودان ومصر وليبيا، وصار خلال السنوات الأخيرة ممراً خطراً لتهريب البشر والمخدرات والسلاح، وتستغل فيه بعض الشبكات تجمعات المعدّنين للتحرك والاحتماء والتسلل. وقد وقعت في هذا النطاق احتكاكات عدة، بعضها منشور ومتداول منذ عام 2024، ثم تطور الأمر في مارس الماضي إلى اشتباك أمني بالغ الخطورة، أعلنت مصر بعده مقتل ضابط كبير برتبة عميد على حدودها الجنوبية، وتحدثت دوائر مقربة عنه وعن جنود مصريين اشتبكوا مع مجموعات تهريب مسلحة.

القاهرة، رغم ذلك، لم تفتح الملف باعتباره انتهاكاً سودانياً يستدعي عقاب المعدّنين السودانيين أو التضييق على آلاف السودانيين الذين يدخلون مصر بطرق غير نظامية للعلاج أو هرباً من الحرب وغلاء التأشيرات وانسداد السبل. لم تُصعّد سياسياً، ولم تجعل من الحادثة عنواناً لعداء مع الشعب السوداني.

لكن رواية الميليشيا هذه المرة صيغت وكأن مصر تريد الاستيلاء على مناطق ذهب داخل السودان، وكأنها تطارد المعدّنين السودانيين لأنهم سودانيون. وهذه قفزة دعائية لا يساندها منطق ولا جغرافيا ولا سجل التعامل الحدودي المعروف. فمصر نفسها تعمل وتستثمر رسمياً وعبر شركاتها في نطاقات تعدين داخل مناطق تسيطر عليها أو تديرها، ولا تحتاج إلى صناعة حرب مفتوحة مع السودان حتى تبحث عن الذهب في صحراء منفلتة.

ثم إن مسألة حلايب وشلاتين، وهي قضية سودانية قائمة ومعروفة، لا ينبغي خلطها بكل حادثة تقع في الصحراء. الدفاع عن سودانية حلايب شيء، وتحويل كل اشتباك مع مهربين أو معدّنين مسلحين إلى حرب مصرية على السودان شيء آخر. هذا الخلط لا يخدم السودان، بل يخدم من يريد أن يمزق ما تبقى من علاقاته الإقليمية.

المؤلم أن سياسيين سودانيين باتوا يستسهلون استعارة الروايات غير الموثقة إذا خدمت خصومتهم مع الجيش. يرددون ما تبثه منصات الميليشيا، ثم يلبسونه ثوب السيادة. والسيادة منهم براء. فالسيادة لا تُدافع عنها ببيانات منقولة عن غرف التضليل، بل بتحقيق، وإحداثيات، وشهادات موثقة، وموقف دولة لا موقف غضب.

نعم، يجب حماية المعدّنين السودانيين. نعم، يجب التحقيق في أي سقوط لمدنيين. نعم، يجب أن تطالب الدولة السودانية بتوضيح رسمي إذا جرى عمل عسكري داخل أراضيها. لكن لا يجوز أن تتحول دماء البسطاء إلى سلعة سياسية في سوق الخراب، ولا أن تُستثمر أحزان دارفور مرة أخرى بواسطة القوى ذاتها التي تاجرت بآلامها.

القضية الحقيقية ليست أن مصر تريد السيطرة على ذهب السودان. القضية أن السودان ترك حدوده بلا دولة، وتعدينه بلا تنظيم، وفقراءه بلا حماية، وروايته بلا صوت رسمي. وفي هذا الفراغ، يدخل المهرب، وتتحرك الميليشيا، وتنتعش منصات الفتنة، ثم يُطلب من الناس أن يصدقوا كل ما يُقال لأن الدم حاضر والغضب حاضر.

لكن العقل الوطني لا يدار بالغضب وحده.

الواجب اليوم ليس الانجرار وراء فرية جديدة، ولا تبرئة أحد بلا تحقيق. الواجب هو أن تسأل الدولة السودانية وتجيب: أين وقع الحادث؟ من كان في الموقع؟ هل كان المعدّنون مدنيين بالكامل؟ هل كانت هناك شبكات تهريب مسلحة؟ هل دخلت قوة أجنبية؟ هل جرى تنسيق حدودي؟ ومن الذي يجبي من المعدّنين ويحميهم ثم ينسحب عند الخطر؟

هذه الأسئلة هي طريق الحقيقة. أما الصراخ، فهو طريق الفتنة.

إن أخطر ما في هذه الحملة أنها لا تدافع عن السودان، بل تدفعه إلى خصومة مجانية مع مصر، في لحظة يحتاج فيها السودان إلى كل سند إقليمي يحترم دولته وجيشه ووحدة ترابه. ومصر، في هذه الحرب، اختارت الوقوف مع الدولة السودانية ومؤسستها العسكرية التاريخية، لا مع الميليشيا التي خرّبت المدن وانتهكت البيوت وشرّدت الملايين.

لهذا تحديداً تريد الميليشيا ضرب العلاقة مع مصر. تريد أن يصبح كل مصري متهماً، وكل موقف مصري عدواناً، وكل حادث حدودي دليلاً على مؤامرة. إنها لا تبحث عن الحقيقة، بل عن عزلة السودان. ولا تبحث عن العدالة للمعدّنين، بل عن كسر سند الدولة.

من يصدق رواية الميليشيا بلا دليل لا يخدم الضحايا، بل يخدم القتلة.

ومن يخلط بين جبل العوينات، والعلاقي، والعيقاد، وحلايب، وبير طويل، يصنع خريطة للفتنة لا خريطة للحقيقة.

ومن يدافع عن السيادة عليه أولاً أن يدافع عن الدولة؛ لأن السيادة بلا دولة مجرد صدى في الصحراء.

أما السودان، فقد دفع من الدم ما يكفي. ولا يجوز أن ندفعه اليوم إلى حرب روايات جديدة، لأن بعض الساسة لا يجدون طريقاً إلى الضوء إلا بإشعال الحرائق.

نحن لسنا أمام نزاع حدودي جديد بين السودان ومصر، بل أمام محاولة لصناعة نزاع سياسي من مناطق تعدين رخوة، تستغلها شبكات تهريب ومنصات ميليشيا وقوى حزبية تبحث

عن أي نار لتشعل بها ما تبقى من جسور السودان.

أكمل القراءة

ترنديج