يا سيدي، ويا مولاي، ويا رأس قومي، يا برهان إن الفوضى الماثلة الآن لا تحتاج إلى برهان، وإن كنت ترى أن المظاهرات المتجهة إلى القصر تعبيراً عن الضيق من تصاعد ثيرمومتر الغلاء شرًّاً؛ فإن عدم الاكتراث لضحاياها ظُلمٌ فاضح، و(محاربة الشرِّ بالشرِّ، والعنف بالعنف) خطأٌ فادح، وهي فلسفة ابتدعها الغرب في حربه على الإرهاب لانتزاع المعلومات، مستعيضاً بها عن قوانين الاستجواب والمحاسبة والإدانة ثم العقاب التي عمد إلى تعطيلها ووضعها على الرَّف.
لذلك يا رجل إما أن تفرض للدولة هيبتها في شوارعها وأقاليمها وحدودها وعلاقاتها الخارجية، وتِوفِّر للمواطن قوتَه وأمنه وصحته وتعليمه، وتعيد للوطن شخصيته وقيمه، وعزَّته وسمعته ووحدته وشموخه.. وإما أن تذهب طائعاً صوناً لكرامتك، وتطهيراً لسجلِّ تاريخك قبل أن يتلوَّث بما يُخزيك، ويصبح عاراً يتأفف منه جيل بعد جيل، فالتاريخ باق وأنت زائل، ولذا اختر لنفسك: فإما أن تكون ألماساً يبرُق، أو ركام إخفاقات يولِّد الخروج على طاعتك، ويُعزِّز سبل مقاومتك؛ إما أن تكون (سوارَ ذهبٍ) فيُكرمك العالم وينصفك التاريخ، وإما أن تكون (بشيرياً) فتقتلعك ثورة شعبية هادرة تجمع الحادبين على (وجود) وطن اسمه السودان في موقع القلب من القارة السمراء.
إنقاذ الوطن من معاناته الخانقة وأزماته الطاحنة ليس معنى به الخارج، وأي حلول لأوضاعه المُعقَّدة، لا توفِّرها الرحلات المكوكية إلى دول طامعة وعيونها على ثرواته وموارده، دول (غزيرة اللُّعاب) تُغازلك (يا ريس)، وتعدك جازمة بالدعم والمساندة ظاهراً؛ بينما هي تستبطن التحفُّز لرضِّ عظامك والتهامك. عالم المصالح عدو النوايا الحسنة، وأنيابه قاطعة، فالثعالب لا تتبسَّم؛ وإنما تتربَّص للخداع، وساذج من يبادلها الابتسام.
سفينة السودان الحرة تُطيح بها أمواج عاتية، والبحارة عاجزون عن التحكم في دفَّتها واستعدال مسارها، وهي لا شك غارقة وغائصة إلى القاع إن لم يتَّحد جميع ركابها، ويهبُّوا للتعاون مع قبطانها وطاقمه لمغالبة هيجان الموج، أما الاكتفاء فقط بإطلاق أصوات استغاثة للنجدة؛ فإن احتمالات الاستجابة لها ضعيفة إن لم تكن معدومة، ولن يُغامر بالاقتراب منها إلا ذووا المآرب وما أكثرهم في زماننا هذا.
يقول بروف عبدالكريم بكار في كتابه (تجديد الوعي)): تصرفات بعض الناس وبعض الساسة لا تترك شكًّا في أن الحكم لغريزة القوة، وليس لعقلانية النظام والمنطق والحق والعدل، فالبطولة خارج القانون تتعمَّق في الحياة يوماً بعد يوم”.