خلال عقود عديدة مضت وضعوا على رؤوسهم تيجان الغرور والكبرياء، وكانوا يتبجَّحون بطرًا بأنهم ملوك الإرض لمَّا أخذهم العُجب بقطبيتهم المتفرِّدة، وامتلاكهم القدرة في التأثير على القرار العالمي أيًّا كان، وقالوا: “قطارنا هو الوحيد الذي ينطلق كالسهم طوال الوقت إلى الأمام، إما أن تلحق بمقطوراته الخلفية أو تموت”… إنه قطار المدنيات المعاصرة صاحبة الصولجان بزخمها وأضوائها الكثيفة المبهرة، وقيمها المتدثرة ببردة التفرُّد (الأنا)، لقد تمخَّضت ذهنية الفكر الغربي الحديث في شعار ينبض بالكِبْر والاستعلاء لاحتواء (الغير) وتذويبه ومحوه أو إلغائه تمامًا من خارطة الحضارة الإنسانية: (إن لم تكن معي فأنت ضدي)، وبذات الزهو والانتفاخ (الطاؤوسي)، وأنياب الليوث البارزة يتعاظم المارد ويتضخم، ويفرد سبابته: نحن أولاً، فالقرن قرننا، ولا موطأ قدم لسوانا.. مجموعة دول يُزخرف بعضها لبعض القول غروراً.
ومن المؤسف أن يُغرِّد أبناؤنا ضاربو الدُّفوف دون حياء بقولهم: نحن ننشد اللحاق بالقاطرة، لن ننكفئ على أنفسنا، مللنا الاجترار، سئمنا تعطيل العقل والاعتماد على النقل، قرون طويلة والنص يشكل مرجعتينا الوحيدة”!! وهؤلاء (الطَّبالون) سهُلت عليهم المساومة على عقيدتهم استسلاماً و(سيل لعاب) لإغراءات حسِّية ومالية، وعمالة مفضوحة أكسبتهم خزياً وعاراً وامتهاناً. وليعلم هؤلاء أن المساومة على العقيدة والقيم دلالة على ضعف التديُّن وضحالة الإيمان، والمؤمن الحق لا يساوم وإن أحسَّ بحزِّ السكين على عُنقه.
تبَّا لأولئك الواقعين في براثن الاستلاب، فالاستقواء لا يتأتى بالتبعية؛ وإنما يكمن في قراءة النص؛ ثم في إعمال العقل وصولاً إلى عمقه وجوهره لاستنباط المعاني والدلالات، نصوصنا تستثير العقول، وتستحث التفكير والتحليل والتأويل لاستكمال ما قصُرت عنه اجتهادات الأسلاف، وترى في القديم منطلقًا يصوغ منهجها في الحياة، ومهما يكن فليس ثمَّ تعارض مع الحاضر بتداعياته العلمية والصناعية والتقنية، ذهنياتنا المستنيرة لا تنكفئ على الجاهز، ولا تحصر كامل قاموس المعرفة في النص والخبر، ولا تحجر على الرأي قدرته على الانطلاق لاستقصاء العلوم، نعم النص هو مرجعيتنا مع الانفتاح على أبواب الرؤية والاجتهاد.. لا نتفق مع أدونيس في تعريفه للثابت في كتابه (الثابت والمتحول) حين يقول مستهجنًا: “الثابت في إطار الثقافة العربية هو: الفكر الذي ينهض على النص، ويتخذ من ثباته حجة لثباته هو فهمًا وتقويمًا، ويفرض نفسه بوصفه المعنى الوحيد الصحيح لهذا النص”. فلماذا نختلف معه؟ لأن نصوصنا تحث على النظر داخل الذات، إلى معرفة النفس، وتُحفِّز على التأمل في ملكوت الله، وتدعو إلى طلب العلم، وملاحقة المعلومة والإيغال في المعرفة، وعدم الاعتماد على النقل أو الاكتفاء بظاهر النص.. فالقديم عونٌ على صياغة الحديث، وتوجيهه بما يتوافق مع المعتقد ودون تعارض مع ما تنتجه العلوم المعاصرة من ابتكارات واختراعات علمية وتقنية.