Connect with us

اخبار السودان

“مثل ترنيمة”.. إيقاع يتدفق شلالاً هادراً

نشرت

في

“مثل ترنيمة”.. إيقاع يتدفق شلالاً هادراً


“مثل ترنيمة” رواية عن حياة دستويفسكي بقلم بيرومبادافام شري دهاران، وهو روائي من ولاية كيرلا الهندية، اختار لروايته اسماً موسيقياً سهلاً سلساً ذي جرس لطيف وإيقاع شفيف، بينما ترك اسمه معقداً مثل دغل متشابكٍ في بقعة استوائية، أو ربما رقية عقرب.. روايته ليست ترنيمة، وإنما أنشودة أو أغنية تتدفق الموسيقى من جنباتها ويخرج العطر من أردانها.

علم النفس حاضر في هذه الرواية بكثافة، الخيال والعقلية الملهمة، والإحساس المرهف، والقريحة المنسابة مثل لحن عذب، فالروائي (دهاران) يصور صراع النفس الذي أقض مضجع دوستويفسكي، ودفعه إلى كؤوس الخمر لتسلية نفسه من وطأة الديون التي تثقل كاهله، ولإشباع رغبته في “المقامرة” أملاً في كسب أموال لإنفاقها كيفما اتفق.. ويرى أن دوستويفسكي نتاج بيئة يتهافت فيها الأثرياء على موائد (القمار) بينما يحصد الجوع القابعون على الهامش.

انبنت حبكة الرواية بكاملها على حياة دوستويفسكي التي كانت مشحونة بمفارقات عجيبة فرحًا وغضبًا، وأزمات واختلالات نفسية كنتاج للنبوغ والكبرياء والتداعي الوجداني والخيال الدافق، واللأفكار والرؤى التي تنساب كشلال لا يستطيع صاحبها السيطرة عليها. استطاع الكاتب أن يُجسِّد شخصية الروائي الروسي الشهير بصورة رائعة وكأنه ابن حيِّه ومدينته، بل كأنما يقاسمه ذات الغرفة وذات المخدع، حوَّلهُ من مجرد إرث أدبي وثقافي وفنِّي عالمي إلى كائن حيٍّ تعتمل في صدره أحاسيس متداخلة ومتفاعلة، دواخله مشحونة بالضياع والغبن والاكتئاب، وبالأمل الأرمد والإيمان الصاعد هبوطًا، يعيش أحيانًا لحظات إيمانية يقظة تكتنفها معطيات عقلية تحيلها إلى أسئلة جريئة ومتشككة تحطُّها إلى القاع، وترتفع به طورًا إلى الآفاق، ويغيب أحيانًا عن الوعي بسبب نوبات الصرع التي تدهمه على حين غرَّة، فينفصل عن الحياة، وكأنه يستدعيها بمحض إرادته وكأنها غطاء يسحبه ليتدثر به من لفح واقعه المرير.

نجح هذا الروائي ـ عصيُّ الاسم ـ في إعادة بعث دوستويفسكي وتصوير انفعالاته وتقلباته صعودًا وهبوطًا، وأنطق مشاعره المتدفقة كشلال هادر في حالتي الإيجاب والسلب، وكشف للقارئ عبقرية ذلك الروائي الروسي الفذ، وقريحته المُلهِمة، وقدرته على التأليف الروائي في لحظات تجلٍّ وطهارة نفس سرعان ما تنقلب رأسًا على عقب، فيتوقف الإلهام، وينقطع سيل الإبداع، ويخبو الوميض ويخرس اللسان، وذلك حينما تتداعى أمام ناظريه الكيفية التي يتعامل بها بعض الناس في مجتمعه المحيط، وحينما ينتابه إحساس بالاختناق من معاملات وأساليب وأنماط حياة العامة، أو حين يستدعي تجاربه في الحب والعشق، وهو يُعبِّر عن ذلك بقوله: “ستبرز المتاعب أحيانًا على غير ما نتوقع، فهي كاللعنة… أنا دائمًا في ورطة كبيرة، حتى حين أحاول حل نفسي؛ فإن العقد تتشابك كلها من حولي، لا أحد يفهم السبب.. حتى أنا لا أفهم متاعبي، مصيري مثل جملة لا يفهم معناها حتى كاتبها”، وحين تستعصي عليه الكتابة يرى أن العقلَ سماءٌ داكنة مفعمة بسحائب أمطار، مطر معلق فوق الرؤوس، محمَّل بذكريات طوفان، لا يدري من أي سحابة ستهمي أول قطرٍ لها، والكتابة إلهامُ لحظةٍ واحدةٍ مباركة.

وبمرور الأيام تدخل حياته (آنا) كاتبة اختزال يملي عليها روايته الفذة (المقامر)، وترى في وجهه تعبيرًا حزينًا يصعب تفسيره، تعامل معها في البداية بفظاظة لم تتصور معها أن كاتبًا موهوبًا مثله قد يسبب ألماً لآخر بذات فظاظته معها. ولأنها تدرك عظمته كروائي؛ فقد احتملت نوبات جنوحه وفورات غضبه لإيمانها بطهارة دواخله. ثم استجمع دوستويفسكي هدوءه بعدما قرأ علامات الذكاء على سيماها الجميلة الفاتنة وطلب منها أن تأخذه بالشفقة وتغفر أخطاءه بينما كان يواصل إملاء روايته الفذة (المقامر) عليها، ثم يقع في حبها مستعيضًا به عن حب زوجته الراحلة ماري، ويتزوجها في النهاية ليكون هذا الزواج منقذًا له من ارتهان رواياته الجديدة لناشر فاسد مُبتز.

يرى بعض النقاد أن المؤلف تقمص في (مثل ترنيمة) شخصية دوستويفسكي ليكتب سيرته التي استوحاها من إدمانه لقراءة رواياته، وتأثره بنهجه ونسجه في الكتابة، فهو هنا كأنه هو نفسه بشحمه ولحمه ودمه، استدعاه من مرقده الأبدى ليشاركه تأليف هذه الرواية، وليُوثِّق له في أدبيات التاريخ الروائي الإنساني.

تقع الرواية في 236 صفحة من الحجم المتوسط ونقلها إلى العربية محمد عيد إبراهيم.



أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك لنا تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخبار السودان

خروج مرافق رئيسية عن الخدمة في مدينة الأبيض – السودان الحرة

نشرت

في

أخبار | السودان الحرة

الخرطوم: السودان الحرة

بحسب تعميم.

قالت شبكة أطباء السودان، إنّ القصف المتعمّد لمحطة الكهرباء والوقود في مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان أخرج مرافق رئيسية عن الخدمة وعطّل محطة مياه.

وأوضحت الشبكة في تعميمٍ، إنّ ذلك يمثّل تهديدا مباشرا لحياة المدنيين ويزيد معاناة أكثر من مليون مواطن ونازح في المدينة.

أكمل القراءة

اخبار السودان

السودان والسعودية يبحثان دعم مُعالجة الديون وتمويل إعادة الإعمار

نشرت

في

أخبار | السودان الحرة

الخرطوم: السوداني

بحث السودان والمملكة العربية السعودية، سُبل تعزيز التعاون المالي والاقتصادي ودعم جهود معالجة الديون وتوفير التمويل اللازم لبرامج التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، وذلك خلال لقاء وزير الدولة بوزارة المالية المستشار محمد نور عبد الدائم بوزير المالية السعودي محمد بن عبد الله الجدعان، على هامش الاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الإسلامي للتنمية المنعقدة في باكو.
واستعرض وزير الدولة خلال اللقاء، خطة السودان لسداد المتأخرات والالتزامات المالية تجاه المؤسسات التمويلية الدولية، مؤكداً التزام الحكومة للوفاء بتعهداتها واستعادة انخراطها الكامل مع مؤسسات التمويل والتنمية الإقليمية والدولية.
ودعا الوزير المملكة العربية السعودية إلى مواصلة دعم السودان داخل مؤسسات التمويل الدولية والإقليمية، بما يسهم في تسهيل حصوله على التمويل اللازم لتنفيذ برامج التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، في ظل التحديات الاستثنائية التي تواجه البلاد.
من جانبه، أكد وزير المالية السعودي، حرص المملكة على مواصلة دعم السودان وتعزيز التعاون الثنائي في المجالات الاقتصادية والمالية، ومُساندة الجهود الرامية إلى تحقيق التعافي الاقتصادي وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه بين البلدين في هذا الشأن.
كما تناول اللقاء، أهمية توفير التمويل المباشر للمشروعات التنموية والخدمية ذات الأولوية، بما يدعم جهود الحكومة في إعادة تأهيل البنية التحتية وتحسين الخدمات الأساسية للمواطنين، بحضور محافظ بنك السودان المركزي السيدة آمنة ميرغني علي التوم.

أكمل القراءة

اخبار السودان

جامعة الأمهات تحتاجكم

نشرت

في

أخبار | السودان الحرة

د. عمار حسن خميس

أطلقتُ عليها اسم (جامعة الأمهات) تيمّنًا بأن الإنسان يلين قلبه إذا خُوطب من جهة الأم؛ فحتى عندما غضب سيدنا موسى عليه السلام وألقى الألواح بعد أن ارتدّ بنو إسرائيل واتّبعوا السامري، ثم أخذ بلحية أخيه هارون، قال له هارون: «يا ابنَ أُمَّ». ومن هنا جاءت التسمية، فهي جامعة نشأت بروح الأمومة، وتوجّهت إلى أهم عنصر في المجتمع: الأم، أو أمّهات المستقبل.

وقد تكون هذه الجامعة – في تاريخ العالم – من أوائل الجامعات التي خُصّصت لتعليم البنات، وربما الأولى في الشرق الأوسط وإفريقيا جنوب الصحراء. قامت هذه الجامعة الفتية لتعليم المرأة وإعدادها، إدراكًا لدورها المحوري في نهضة المجتمع. ولا يخفى على أحد بيت الشعر الخالد لأمير الشعراء أحمد شوقي:

الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتَها  

أعددتَ شعبًا طيّبَ الأعراقِ

ما أحوجنا اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى إعداد الأمهات إعدادًا صحيحًا، وتمكينهن من قيادة المجتمع نحو الخروج من متاهات الجهل والتخلّف. فالأم هي الركن الركين في صلاح المجتمع واستقامته.

 جامعة الأحفاد… ريادة ورسالة

جامعة الأحفاد هي الجامعة التي بدأت هذا المسار منذ القرن الماضي، ولا تزال تبث رسالتها وستظل. ولعلّ كثيرين لا يعرفون أن هذه الجامعة – التي تشرفتُ بالعمل فيها أربعة عشر عامًا بدأتُ خلالها مسيرتي الأكاديمية كمساعد تدريس – كانت صاحبة فضل كبير في ابتعاثي إلى فرنسا وتطوير مهاراتي العلمية. ولستُ حالة خاصة؛ فالجامعة صنعت ذلك مع كل منسوبيها، سواء من بقي فيها أو من غادرها.

جامعة الأحفاد لا تحاسب من يرحل، ولا تُمسك على أحد «وصل أمانة»؛ فهي تُعدّ الإنسان لنفسه أولًا، ومن رضي بالعودة والعمل فيها فمرحبًا به، ومن غادرها فهي لا تغادره. نهجها الفائدة، ورسالتها التعليم الحقيقي المرتبط بسلامة المجتمع.

برامجها تقوم على التنمية الريفية كأساس مهما كان التخصص، ونهجها الاجتماعي يربط كل دارس ومنسوب لها بأقاليم السودان المختلفة. فهي ليست قاعات درس ومجلدات ورقية فقط؛ بل هي جامعة إنسان، ورسالتها تغيير حياة الناس للأفضل.

وقد اختارت الجامعة وسيلتها من حديث النبي ﷺ حين سُئل: «من أحق الناس بحسن صحابتي؟» قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أبوك». فهي بذلك تعدّ من هي مسؤولة عن ثلاثة أرباع المجتمع.

 شهادة شخصية

أشهد الله أنني في بداياتي عملت مع الأب المربي يوسف بدرى رحمه الله لأكثر من ستة أشهر في ما كان يُعرف بـ«صالون العميد». لم يكن له مكتب؛ بل كان يدير كل شيء من صالون بسيط، على طاولة صفراء مكدّسة بالملفات يعرف مواقعها بدقة لا يلمسها غيره.

راجعت معه ميزانية الجامعة لثلاث سنوات، وكان العجز ظاهرًا، فسألته: «يا سعادة العميد، الأحفاد شغّالة كيف؟»

فقال ببساطة: «شغّالة بالشعب السوداني».

وهكذا كانت؛ قائمة على الخيرين الذين يعرفون دورها، وعلى دعم المنظمات والبلدان التي أدركت رسالتها. فخرجت الجامعة أمهاتٍ ذوات قيمة تعليمية تنافسية على أعلى مستوى.

الضرر الذي أصاب الجامعة

جامعة الأمهات أصابها ما أصاب السودان من ضرر. ولأنني أعلم أنها لا تملك أرصدة مالية ضخمة ولا ممتلكات في أي مكان، رغم جلال رسالتها، فقد كانت دائمًا ترفض حرمان أي أم من التعليم بسبب عدم القدرة على دفع الرسوم. كما منحت منحًا لعدد كبير من الطالبات من مختلف دول إفريقيا.

لكن الجامعة تعرّضت لنهب ودمار كبيرين، حتى إن إعادة تجهيزها تحتاج إلى ملايين الدولارات. واليوم، هي في أمسّ الحاجة إلى الدعم لاستعادة أدواتها التعليمية ومرافقها الأساسية.

 نداء إلى الشعب السوداني

جامعة الأمهات تناديكم جميعًا: الشعب السوداني، والخيرين، وأصحاب المروءة.

لا أناشد القادرين فقط؛ بل أناشد كل من يملك فضل ظهر: فكرًا، أو مالًا، أو جهدًا.

هذه الجامعة هي مرتع أمهاتكم، ومسقط رأس إعدادهن. كما أناشد الحكومة أن تمنحها دعمًا إداريًا خاصًا، فهي تكفّلت بإعداد ثلاثة أرباع المجتمع علمًا وثقافة وصحة وإلهامًا.

لقد خرج هذا النداء مني حين قرأت إعلان البروفيسور قاسم – حفظه الله – بعودة جامعة الأحفاد إلى مقرها بأم درمان. وأناشدكم أن تهبّوا لدعمها، فأنتم تدعمون أمهاتنا ومستقبل سوداننا.

اللهم إني قد بلّغت، اللهم فاشهد.

أكمل القراءة

ترنديج