Connect with us

اخبار السودان

من أين تبدأ حكومة كامل إدريس؟

نشرت

في

من أين تبدأ حكومة كامل إدريس؟


لم تُشكّل بعد حكومة كامل إدريس، ولكنها – إن تشكّلت – ستجد نفسها في مواجهة جدار عالٍ من التوقعات المتناقضة، وميدان ملغوم بميراث ثقيل من الأزمات والفوضى، ونافذة ضيقة للإنجاز الفعلي. لهذا، يصبح من الضروري منذ الآن التفكير بوضوح في شكل الأولويات لا في كمّها، وترتيب المهام لا تراكمها.
لم يكتمل بعد تشكيل حكومة الدكتور كامل إدريس، لكنّ قبل أن ترى النور، أرخت الظلال الكثيفة سدولها من الأزمات التي تخيّم على البلاد، وتُنبئ بأن هذه الحكومة ـ إن تمكنت من الصمود والوقوف على قدميها ـ فإنها لن تجد وقتًا كافيًا للتعريف بنفسها أو اختبار ردود الفعل. وستدخل مُباشرةً في سباق مرهق مع الوقت، مهددةً بالانهيار من كل اتجاه، ومطوّقة بطبقة سياسية منهكة، وأزمات مركبة تشبه الخنادق أكثر مما تشبه الملفات.

في هذا الوضع الملتهب والمتشظي، لا يصلح أن تبدأ الحكومة من سطح الأشياء أو تنشغل برفع المعنويات، أو الظهور الإعلامي. الأولوية الكبرى هنا هي منع السقوط الكامل، ولا مكان للتجميل. السودان لا يواجه “تحديات ما بعد الحرب”، بل يعيش الآن في قلبها، والخط الفاصل بين البقاء والفناء يذوب سريعًا.

ولهذا، فإنّ ترتيب الأولويات لا يكون ترفًا نظريًا، بل ضرورة وجودية، تبدأ من لحظة التشكيل، لا من بعد اكتمال الصفوف.

لا يجوز لحكومة يفترض أنّها انتقالية أن تُولد غامضة أو فضفاضة، ولا أن تخاطب شعبًا محاصرًا بالموت والأزمات والمجاعة دون أن تحدد له ـ منذ اليوم الأول ـ ما الذي جاءت لأجله، وإلى متى ستبقى. ثم ما هو طريقها لإنجاز مهامها.

لهذا، فإنّ أول ما ينبغي على حكومة الدكتور كامل إدريس فعله هو تقديم خطاب رسمي واضح يعلن فيه الأهداف الأساسية للحكومة، والفترة الزمنية المخصصة لإنجازها، بتواريخ محددة ودقيقة مع الالتزام التام بها أمام الشعب وجعلها غير قابلة للتأجيل.

فى تقديرنا أن أي حديث عن “المرحلة” أو “العبور” بمعناها الفضفاض، يكون حديثاً غير مناسب فى هذه المرحلة، ولا بد أن يحل محله برنامج زمني رصين مُعد بمهنية وبمهام محددة، ونقطة نهاية واضحة.

بعد ذلك مباشرةً، يُفترض أن تُعلن الحكومة برنامجًا شاملًا يُحدد الأولويات الاستراتيجية للفترة الانتقالية كلها، وآليات اتخاذ القرار، وخريطة التنفيذ، والأجسام الرقابية التي تضمن الشفافية والمُساءلة.

وأن تُكلّف كل وزارة، فور تعيينها، بتكوين (لجان متخصصة مستقلة) لكل ملف من ملفاتها، على أن تُنتقى هذه اللجان من كفاءات غير حزبية، قادرة على تشخيص الأزمة ووضع حلول عملية بعيدًا عن عقلية المكافآت والمحاصصة.

أما الأولويات الحرجة التي لا تحتمل تأخيرًا، فهما ملفان مترابطان:
عودة النازحين، ووقف الحرب، وإنهائها.

أولاً، عودة النازحين لا تتم بالنيات الحسنة، ولا بالتسرُّع غير المدروس، ولا بتركهم يزحفون إلى مدن منهارة مدمرة، ليواجهوا المجهول.
فما يحدث الآن هو عودة عشوائية خطيرة، تُهدد بخلق نزاعات اجتماعية وأمنية جديد فوق ركام الحرب.

يجب أن تتدخّل حكومة الدكتور كامل إدريس وتستبق ذلك بكل مسؤولية وتقوم – بصورة عاجلة، ورؤية واضحة– بتكوين لجان متخصصة في إعادة الإعمار، والتخطيط، والدعم النفسي، هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى تُركِّز على كيفية التمويل واستدعاء الدعم الدولي لإعادة الإعمار. ثم وتوجيه جهود لجان الأحياء ومبادرات المجتمع المدني، مع ضبط الأداء الحكومي وتحديد المسؤوليات، وإصدار القرارات مع سرعة الإنجاز وحُسن المتابعة.

ثانيًا، ملف وقف الحرب وإنهائها، ولهذا الملف محوران يسيران بالتوازي:
أولهما، إنهاء الحرب عبر التفاوض.
وثانيهما، معالجة جذور المشكلة داخلياً، لأن هذا المحور لا ينفصل عن قضية الحكم واقتسام السلطة والثروة.

ولمُعالجة هذا الملف الأكثر تعقيداً، ولتناوله بطريقة سلسة، فإنّنا نرى أن تبدأ الحكومة ـ فورًا ـ بإعلان السودان دولة فيدرالية، ومباشرة التطبيق العملي للحكم الفيدرالي، بمراجعة قوانينه وإقرارها، لا مجرد وعد بها.
ويكون ذلك عبر لجان متخصصة مستقلة تضم كفاءات سودانية مستقلة وخبرات أجنبية محايدة، تضع الخطط اللازمة لتقنين الوضع الفيدرالي، والجداول العملية لتنظيم انتخابات ولائية تبدأ بتعداد سكاني دقيق، وتنتهي بحكومات ولائية فعلية، تُنتدب منها لاحقًا 3 ممثلين عن كل ولاية لتشكيل المجلس التشريعي القومي في المركز.
هذا الطرح يخاطب جذور المشكلة، وينفي مزاعم التهميش وتحكم الولايات فى ثرواتها حسب القانون الفيدرالي ويؤدي بسلاسة إلى بناء الثقة وتحويل الجماعات المسلحة إلى الانخراط فى العمل السياسي وإلقاء السلاح، ومن ثم بناء جيش وطني موحد.

وفي المسار العسكري، لا يمكن أن تستمر الحرب إلى ما لا نهاية تحت ذريعة التفاوض مع المليشيا.
فالواقع ـ رغم تعقيداته ـ يؤكد حقيقة مركزية لا يجوز القفز فوقها:
الجيش السوداني، رغم كل ما يُثار حوله، يبقى هو المؤسسة الرسمية، ولا يجوز بأيِّ حال من الأحوال وضعه على طاولة تفاوض واحدة مع جماعة مسلحة تمردت عليه (مهما قيل من الحجج)، ولا يمكن مساواته بها من حيث المشروعية.
وفى تقديرنا أن الدعوات للتفاوض مع المليشيا تعني فى حقيقتها أن تقف الحرب لتبدأ من جديد، وهذا يعني ضمنًا استمرار الحرب إلى ما لا نهاية ما دامت المليشيا تحتفظ سلاحها وتتمتع بالدعم الخارجي.

لهذا، فإنّ الطريق الأكثر واقعيةً لوقف الحرب هو فتح قنوات التفاوض المباشر مع داعمي هذه المليشيا: الولايات المتحدة الأمريكية، ودولة الإمارات العربية المتحدة.
تُقدّم الحكومة عرضًا شجاعًا لتأمين مصالحهم المشروعة، وتشجيعهم على الاستثمار في السودان ما بعد الحرب، مقابل وقف دعم التمرد (والمساهمة فى تفكيكه) وضمان وحدة البلاد، وعدم المساس بسيادتها.

وحتى تكتمل المعادلة وبناء الثقة وتوحيد الجبهة الداخلية، لا بُـد من مخاطبة حزب المؤتمر الوطني مُباشرةً، دون التفاف أو شيطنة.
باعتباره رقماً فاعلاً في الساحة الاجتماعية والسياسية، لا يمكن شطبه أو تجاوزه.
تُدعوه الحكومة وتصل معه لاتفاق ملزم بعدم المنازعة خلال الفترة المحددة زمنيًا، وتؤكد في ذات الوقت عدم تمسُّكها بقرار حرمانه من العمل السياسي، عبر إصدار مرسوم من الحكومة يقضي بشرعية مزاولة الحزب لنشاطه السياسي، وأن المحاسبة ـ حين تحين ـ ستطال الأفراد الذين أفسدوا، لا الحزب كتنظيم.
ويُطلب من الحزب أن يسهم في تقديم الذين أفسدوا للعدالة طوعًا، حتى يُثبت جديته ويكسب شرعية أخلاقية جديدة.

ونحن إذ نتقدّم بهذه الرؤية من خلال هذا المقال الصحفي، فإنّنا نأمل أن تسهم في تثبيت أقدام الحكومة التي يجرى تشكيلها لتجاوز هذه البداية الحرجة.
وإذا كانت هذه هي نقطة البداية، فإنّ الطريق أمام الحكومة سيظل محفوفًا بتحديات أعقد، تتجاوز وقف الحرب إلى بناء السلام، وإصلاح الاقتصاد، وإعادة هيكلة الدولة ذاتها.
لكن ذلك حديثٌ آخر، نعود إليه لاحقًا، إن كُتب لهذه الحكومة أن تُصمد، وأن تبدأ من هنا.

محمد الحسن محمد نور



أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك لنا تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخبار السودان

الهدوء يعود إلى (الدبة) بالشمالية بعد اشتباكات مسلحة وفرض حظر التجوال

نشرت

في

أخبار | السودان الحرة

الدبة ـ السوداني
شهدت مدينة الدبة بالولاية الشمالية، عصر اليوم الثلاثاء، تفلتات أمنية واشتباكات مسلحة محدودة، أسفرت عن وقوع إصابات بين المدنيين، قبل أن تتدخل الأجهزة العسكرية لفرض السيطرة التامة وإعلان حظر التجوال بالمدينة.

وفقاً لبيان رسمي صادر عن لجنة أمن محلية الدبة، فإنّ الاشتباكات اندلعت بالأسلحة النارية بين مجموعتين يُشتبه في تعاملهما في تجارة المخدرات، وذلك داخل إحدى مزارع النخيل الواقعة غرب سوق الدبة.

وأوضحت اللجنة أن وقوع المواجهات في منطقة ذات كثافة سكانية عالية أدى إلى سقوط جرحى وإصابات في صفوف المواطنين الذين تصادف وجودهم في محيط الحدث.

وأكدت السلطات الأمنية بالمحلية أن القوات المسلحة مسنودة بالقوات المشتركة والمساندة تدخلت على الفور وحسمت المواجهات بشكل كامل. وبناءً على التطورات، اتّخذت السلطات حزمة من الإجراءات العاجلة لإعادة الانضباط، حيث تم فرض حظر التجوال داخل مدينة الدبة لتأمين المواطنين ومنع أي تفلتات أخرى.

وأكدت لجنة الأمن أن الوضع الآن تحت السيطرة تماماً، وقد عاد الهدوء والاستقرار إلى كافة أرجاء المدينة. كما شرعت الأجهزة الرسمية والطبية فوراً في ترتيباتها لحصر الجرحى والمصابين وتقديم الرعاية الطبية اللازمة لهم.

وتُهيب لجنة أمن محلية الدبة بالمواطنين الالتزام بتوجيهات حظر التجوال والتعاون مع القوات الأمنية لحين استكمال الإجراءات القانونية والجنائية بحق المتورطين.

أكمل القراءة

اخبار السودان

(تنظيم مهنة القانون) يعتذر عن تأجيل امتحانات المعادلة الدورة الأولى للعام 2026م

نشرت

في

أخبار | السودان الحرة

الخرطوم: السوداني

أعلن مجلس تنظيم مهنة القانون؛ عن اعتذاره لجميع الراغبين في الجلوس لامتحان تنظيم مهنة القانون (المعادلة)، وذلك لعدم التمكن من إقامة دورة الامتحانات الأولى للعام الجاري 2026م في موعدها المعتاد، كاشفاً عن ترتيبات جارية لتحديد الموعد الجديد خلال الأيام القليلة المقبلة.

وفي تصريح صحفي، أوضح كبير المستشارين الأستاذ إيهاب بشرى حمد، سكرتير مجلس تنظيم مهنة القانون، أن هذا التأخير يعود إلى ظروف استثنائية رافقت مرحلة انتقال المجلس إلى ولاية الخرطوم.

وأشار سكرتير المجلس إلى أنّ عملية الانتقال استلزمت تدابير إدارية وفنية معقدة، إلى جانب العمل المتواصل لتوفير مقر جديد للمجلس بدلاً من المقر السابق الذي تعرض لأضرار جسيمة حالت دون إمكانية الاستمرار في العمل منه. وأكد أن هذه التحديات تطلبت بذل جهود استثنائية لتهيئة بيئة عمل مستقرة تضمن سير أعمال المجلس بكفاءة واقتدار.

وشدد الأستاذ إيهاب بشرى حمد، على أن المجلس يدرك تماماً مدى أهمية انتظام هذه الدورات وتأثيرها المباشر على المستقبل المهني والأكاديمي للراغبين في الجلوس للامتحان.
وطمأن سكرتير المجلس، جميع المتقدمين بأنه سيعقد اجتماعاً حاسماً خلال الأسبوع القادم بهدف مناقشة وتحديد الموعد النهائي للامتحانات، والتمهيد للإعلان عنه رسمياً فور إقراره.

وجدد سكرتير المجلس، اعتذاره للطلاب والمتقدمين، معرباً عن بالغ تقديره وتثمينه لما أبدوه من صبر وتفهم عاليين خلال هذه المرحلة الانتقالية.
وأكد حرص المجلس التام على استكمال كافة الترتيبات الفنية واللوجستية اللازمة لضمان تنظيم الامتحانات في أفضل الظروف الممكنة، وبما يضمن معايير العدالة والنزاهة والشفافية المُطلقة لخدمة مصلحة الجميع، متمنياً لجميع المتقدمين دوام التوفيق والنجاح.

أكمل القراءة

اخبار السودان

إزالة 1165 تعدياً عشوائياً بأمبدة

نشرت

في

أخبار | السودان الحرة

أم درمان – السوداني

وقف مدير عام جهاز حماية الأراضي وإزالة المخالفات بولاية الخرطوم، عبد العزيز عبد الله أحمد، على الإزالة الكاملة للتعديات العشوائية بمربع 46 البستان بمحلية أمبدة، والتي استمرت على مدار 5 أيام متتالية، بالتنسيق مع الأمين العام لحكومة الولاية أحمد مصطفى علي، والمدير التنفيذي للمحلية أبو القاسم الطاهر.

وأسفرت الحملة المشتركة، عن إزالة (1165) تعدياً عشوائياً شملت غرفاً وحمامات وأسواراً، في منطقة كانت تصنف كبؤرة للجريمة والمهددات الأمنية.

وأوضح مدير جهاز حماية الأراضي أنّ الإزالة تمت بمشاركة القوات النظامية، النيابة، وموظفي المساحة، تنفيذاً لتوجيهات اللجنة العليا لضبط الأمن وفرض هيبة الدولة؛ لتهيئة البيئة وتسهيل عودة المواطنين إلى الخرطوم.

أكمل القراءة

ترنديج