خيبة أمل كبيرة في وزراء المالية الثلاثة الذين تعاقبوا على الوزارة المعنية خلال السنوات الأربع الماضية، خيبة اقترنت بارتفاع مؤشر الإحباط لدى المواطن السوداني إلى أُفق لا نهائي {Infinitivley}، وكشفت عجزاً مقيتاً عن اتقاء السهام التي أصابت الاقتصاد السوداني في نحره، وأحدثت له شللاً تامًّا لم تفلح معه (الكراسي المتحركة) لتنقذه من الركود وتدفعه إلى الأمام بإيقاع أسرع، ولم ينعم ببُرءٍ رغم كل الجراحات الموسومة عاجلة أو آجلة لإخراجه من حالات الكساح هذه، ولم تقتصر الحالة المرضية هذه على فقيهيْ الاقتصاد (إبراهيم وجبريل) وفقيهته (هبة)؛ لكن جذورها تغوص في وحل عدد من وزراء المالية الإنقاذيين، وتتجلى محنة اقتصادنا في الاجتهادات الفردية لكل وزير تنظيراً علمياً، ثم ممارسة معاكسة لتفكيره العلمي ومعلوماته المتخصصة، وخاضعة لإملاءات ومعاكسات يفرضها الواقع السياسي الماثل.
وقد وضح أن الوزير، فور أن تنقله أولى خطواته إلى مكتبه الفخم لممارسة مهامه الوطنية سيتبيَّن له أنه مُنفِّذ لا مُخطِّط، موظف لا مسؤول، وأن وزارته تُدار من خارج أسوارها سواء من القيادة العليا، أو من حزمة أحزاب أو كيانات سياسية مستحدثة، أو من (السفارات)، وإن عبث في الأدراج بحثاً عن خطط وبرامج سابقيه ليبني عليها تحقيقاً لطموحاته التي قبِل بها التكليف؛ فعليه أن يُبادر بغسل يديه من الأتربة التي علِقت بها، وأن يرضخ للواقع والاقتناع بأنه مُسيِّر، وأنه سيترك لخلفه ذرات الغبار نفسها، ولعل ذلك ينطبق على العديد من وزاراتنا.
استوحيت هذه المقدمة من إقرار وزير المالية ـ بحسب ما أورده موقع (المجرة برس) تحت عنوان: جبريل إبراهيم يعترف بفشله في معالجة الأزمة الاقتصادية ـ بأن: “البلاد تمر بظروف قاسية وصعبة على المواطن السوداني، خاصة أصحاب الدخل المحدود”، (هل تريد أن تُعْلمه يا معالي الوزير بما يعلم؟). وقال وفق المصدر نفسه: “إن الكل يعاني بسبب أخطاء متراكمة، وشدد على ضرورة معالجة الاختلالات، والعمل على ما يحقق كل ما يتطلع له الشعب السوداني”، وتابع قائلاً: “وزير المالية لا يملك عصا سحرية لحل الأزمة الاقتصادية، لكنه أشار إلى فرص السودان الواسعة وإمكانياته في خلق واقع أفضل بإشراك القطاع الخاص، وإدارة التنوع المتوفر في البلاد”. ولا أدري إلى من يوجِّه معاليه خطابه هذا؟ وهو أساساً المعني باستقطاب القطاع الخاص للمشاركة في معالجة العطب والخلل في الممارسة الاقتصادية في بلادنا، وأيضًا بإدارة التنوع المتوفر في البلاد، وبوضع خطط وإستراتيجيات وتطبيقها بحزم، وصولاً إلى تحريك ودفع عجلة الإنتاج وتحقيق تنمية مستدامة!!
ونقتبس هنا بتصرف بعض ما ورد في إحدى مذكرات البروفيسور محمد نجاة الله صديقي التي أعدها حول اقتصاديات التنمية ونشرها معهد الاقتصاد الإسلامي، وكأن جهاتنا الاقتصادية والمالية معنية بها: “لقد أصبحت التنمية الاقتصادية شرطاً لا غنى عنه للعيش الكريم في عالم اليوم، فالشعوب المتخلفة التي لا تملك القدرة على السيطرة على اقتصادها؛ ستفتقر إلى أي قدر من الاستقلالية في حياتها الاجتماعية والثقافية، وسوف لن تستطيع الشعوب المسلمة الصمود في وجه القوى المعادية لها في العالم؛ ما لم تنعم بالأمن والقوة الذين يتأتيان عبر التنمية الاقتصادية، كما لن تتمكن من أداء مهماتها إذا ظلت فقيرة مجبرة على التسول والاقتراض للبقاء على قيد الحياة”.
العجز عن التفكير والتخطيط والتنفيذ في بلادنا ليس سمة من سمات اقتصاديينا، فهم أكفاء وخبراء، وقادرون بمشاركة الآلة الإعلامية على إحداث التحوُّل الاقتصادي المنشود، باستثمار الموارد والثروات المهولة في بلد اسمه (السودان)، وباستنهاض قوى الشعب كافة، للمشاركة في دفع وتطوير عجلة الإنتاج من خلال تنمية الوعي الاستثماري والادخاري العام، وكذلك عبر تصحيح المفاهيم الخاطئة حول ربط الإنتاج بالولاء والانتماء وموجهات الكيانات الحزبية أو الجهوية أو المناطقية.