اخبار السودان
الحب في زمن الكوليرا
نشرت
منذ سنة واحدةفي
بواسطه
اخبار السودان
عنوان المقال مأخوذٌ من رواية لكاتب من أمريكا الجنوبية، سنتطرق إليها لاحقاً وقد لا تكون لمضمونها صلة مباشرة لما سنتطرق إليه، ولكنه في الظاهر يشير إلى المتناقضات والمفارقات والمفاجاءات التي تخبئها لنا الحياة في منعطفاتها ومنعرجاتها المختلفة فتترك بصماتها واضحة وربما تعدل أو تغير المسار تماماً.
أولى هذه الحكايات بدأت احداثها في ستينيات القرن الماضى في مدينة بورتسودان، آنذاك كانت المدينة تعج بأجناس مختلفة من شوام وأقباط وإغريق وحضارمة وهنود عاشوا كلهم فى مجتمع متآنس متجانس. من هؤلاء كانت فتاة إغريقية فاتنة تلفت الانظار اسمها “جورجيت”. كانت “جورجيت” حورية على الأرض يعرفها كل سكان المدينة بالقوام اللادن والشعر المنسدل على الكتفين والابتسامة الساحرة، وقد كانت تقتني عجلة ماركة “رالي” تجوب بها المدينة من أعلاها إلى أدناها، وفي كل منعرج ومنعطف وشارع يقابلها الناس بترحاب وود.
فجأةً أطل على مجتمع المدينة شاب وسيم ممشوق القوام منقولاً إلى احدى المصالح الحكومية في المدينة. في أثناء غدو الشاب ورواحه بين المكتب والمنزل لفت انتباهه منظر هذه الفتاة الفاتنة تتهادى بالعجلة في دلال وغنج. لم تنتبه الفتاة في البداية لنظرات الإعجاب التي كان يرمقها بها الشاب ولكن سرعان ما لاحظته وهو يلاحقها بنظرات ولهانة هيمانة حتى تختفي من ناظريه، ثم ما لبثت الكيمياء بين الشابين اليافعين أن (عملت شغل) فانجذبا بشدة وبسرعة شديدة. تحولت نظرات الإعجاب إلى تبادل الابتسامات ثم الكلمات ثم تطورت إلى لقاءات بعيداً عن العيون.
اشتعل بين القلبين الشابين حب جارف اخترق حواجز الدين والعادات والتقاليد ثم ما لبثا أن تعاهدا عهداً وثيقاً ان يكون كل منهما للآخر للأبد. واجهت الفتاة معارضة عنيفة من أهلها، عندما فاتحتهم بالموضوع في البداية ولكن لما كانت تتمتع به من عقل راجح ومكانة أثيرة عند والديها ما لبثت أن نالت موافقة الأسرة وهي تتمثل قول نزار قباني:
اني عشقتك واتخذت قراري
فلمن اقدم يا ترى أعذاري
لا سلطة فى الحب تعدل سلطتي
فالرأي رأيي والقرار قراري
هذي أحاسيسي فلا تتدخلي
ارجوك بين البحر والبحار
*****
طار الشاب فرحاً بذلك ثم (يمم) وجهه شطر قريته و(طار) أيضاً لينال مباركة والديه هو الآخر، غير انه للأسف وجد أذناً صماء من الأب ورفضاً باتاً لهذه الزيجة، بل هدده والده بأنه لن يرضى عنه أبداً وسيقاطعه ويخرجه من حياته للأبد. أسودت الدنيا في عيني الشاب وأصيب باكتئاب وهم وغم وبقي منعزلاً لفترة طويلة حتى باغته الأب بأن عقد قرانه على بنت عمه. كان الشاب قريباً من والده جداً ولم يكن ليعصي له أمراَ مهما كان فرضخ أخيراً واستسلم لقدره المحتوم وبدأ يمارس حياته محاولاً نسيان حبه الأخضر، ولكن كما يقولون (البعيد عن العين بعيد عن القلب) فخفت الحب وإن لم يختف تماماً وظلت ناره متقدة بين الضلوع.
على الجانب الآخر، انتظرت الفتاة حبيبها عله يعود ليبنيا بيتاً من الود والحنان، ولكنها ما لبثت أن سمعت بزواجه من قريبته فأصيبت بصدمة نفسية عميقة اعتزلت على إثرها الحياة والناس وعافت نفسها الأكل والشراب فابتعدت عن الناس جميعاً حتى أقرب الأقربين. وبعد زمان طويل وعندما خرجت كانت (شيئاً) مختلفاً تماماً. ذهب البهاء والصفاء فشحب الوجه وشاب الشعر وزاغت النظرات الحالمة. بدأت الفتاة تنسحب من الحياة شيئاً فشيئا وأصبحت تعيش فى عالم آخر كأنها تخاصم هذا العالم الذى حرمها سعادتها وحلم حياتها، ثم بدأ الناس يرونها تلتقط الأوراق المرمية على الطريق تحملها معها للمنزل، قالوا إنها كانت تأمل أن تجد خطاباً من الحبيب محمد يبشرها فيه بقدومه للم الشمل!!!!….
لقد ذهب عقل الفتاة وأصيبت بالجنون وأصبح منظرها مثيراً للشفقة والرثاء. هنا جاء دور القدر ليزيد من عمق المأساة. توفي والد الفتى فأيقظ ذلك حبه لفتاه من جديد والآن بعد أن أصبح حراً يمّم وجهه شطر الشرق قاصداً أرض الحبيب. وبمجرد أن وصل بدأ رحلة البحث عن محبوبته وكان كل من قصدهم من معارفه القدامى ليدله على مكانها ينظر إليه في أسى وحزن ولا يجيب حتى دله أحدهم على مكانها. خف سريعاً يحمل آمالاً عراضاً وشوقاً لا يحدّه حدودٌ للقاء الحبيب وعندما وصل المكان واقترب من المحبوبة لم يصدق عينيه!!!. وجد شبحاً هزيلاً بملابس رثة وشعر اشتعل بالشيب ينقب فى الأوراق القديمة الملقاة على قارعة الطريق. هتف باسمها بصوت مخنوق وأمل ورجاء. رفعت الفتاة رأسها عندما سمعت الصوت ولكنها لم تتعرّف على صاحبه ورميته بنظرة فارغة كأنها تنظر لشبح او مخلوق هبط من الفضاء ثم واصلت تعقيبا في الأوراق القديمة علها تجد حساباً من الحبيب. كانت الصدمة كبيرة على الشاب فمرض، ويقال إنّه توفي بعد فترة قصيرة وما لبثت أن تبعته حبيبته وانسدت الستار على قصة حب انتهت كما تنتهي الأساطير الأفريقية.
الشيخ قول لي وين الريدو نارو حرقنا
ووين الشوقو من نوم الليالي سرقنا
وين الليهو باذلين النفيس وعرقنا
ووين الشانو ودّعنا العزاز ومرقنا
*****
القصة التالية عن مفارقة كادت أن تغير مسار حياة أحد الأصدقاء. كان هذا الصديق يعمل معلماً ثم لما وجد أن العائد المادي قليل اتجه للعمل في (سوق الله أكبر) فتحسنت الأحوال قليلاً وانتعش الجيب ولكن ما لبثت أن (هبت ثورة الإنقاذ وقام الجيش للشعب انحاز) فأصاب القطاع الاقتصادي ركودٌ تامٌ يصاحب دائماً بدايات أي تغيير سياسي وكادت حركة السوق أن تتوقف تماماً. ساءت الأحوال (ورجعت حليمة لعادتها القديمة) و(انقد الجيب) مرة أخرى. بقي صاحبنا حزيناً ينتظر فرج الله الذي ما لبث أن هل فجأةً، فقد دله صديق على إعلان لشركة كبيرة في الخليج ترغب في تعيين معلمين وهو مجال تخصصه. أسرع لمقابلة اللجنة المسؤولة وما لبث أن اجتاز كل المعاينات ولم تتبق إلا عقبة واحدة. اشترطت اللجنة أن تكون المهنة في الجواز معلماً، وبما أنه كان قد غيّر المهنة إبان عمله في التجارة، فقد كان لزاماً عليه تغيير المهنة مرة أخرى. كانت المهلة الممنوحة له قصيرة جداً، لذا قصد أحد أقربائه الذين يعملون في الشرطة. في اليوم المحدد وكان آخر أيام التقديم للوظيفة استيقظ من النوم مبكراً، ثم تهندم وتنظم قاصداً قريبه فى وزارة الداخلية، وعندما هَـمّ بالخروج تلقى مكالمة عاجلة من أحد الأقرباء يخطره فيها بأن الشقيق الأكبر لذلك الضابط قد توفي فجأة بعد أدائه صلاة الصبح، وأن كل محاولاتهم لإبلاغ الضابط بالخبر قد باءت بالفشل، ويطلب منه أن ينقل إليه هذا الخبر الحزين. أسقط في يد صاحبنا فلو أنّه أخطر الضابط بوفاة شقيقه الأكبر لانشغل بذلك، بل إنّه لن يداوم أساساً، وبذلك تضيع عليه فرصة تغيير المهنة فى الجواز، وبالتالي تطير فرصة الوظيفة!!! توكل على الحي الذي لا يموت وقصد الوزارة وقابل الضابط عادي، وتم تغيير المهنة عادي، ثم شكره وغادر عادي، وفي المساء ذهب له في منزل العزاء وقام بالواجب عادي!!!
***
القصة التالية حدثت في رومانيا فى بداية ستينيات القرن الماضي. كان “فاسيلي جورجيوس” مزارعاً ريفياً يزرع القمح ويرعى الماشية فى مزرعة بإحدى القرى حيث يعيش هو وعائلته في منزل صغير جميل. كان راضياً بحياته سعيداً بها يقضي يومه فى الحقل ثم يجتمع أسرته فى المساء على مائدة العشاء فيتسامرون ويتناقشون فى أمورهم الحياتية، ثم عندما يجن الليل ينصرفون إلى مهاجعهم مسرورين سعيدين. كان “فاسيلي” يقصد المدينة كل شهر يتبضع بما يلزم المزرعة والمنزل معاً مستقلاً القطار. فى أحد الأيام ابتاع تذكرة ثم غادر المنزل بعد ان ودع زوجته على أمل أن يعود آخر النهار بما لذ وطاب من الطعام والشراب، غير أن اليوم انقضى ولم يظهر “فاسيلي”، وكذلك اليوم التالي واليوم الذي يليه. هنا جن جنون الزوجة فقصدت مركز الشرطة وأبلغتهم باختفاء زوجها فى ظروف مريبة!!! بدأت الشرطة رحلة البحث عن فاسيلي فى كل المدن القريبة ولكن دون جدوى. أخيراً تم حفظ البلاغ (cold case) واعتبرت الأسرة ان السيد “فاسيلي” قد تعرض لحادث سطو من لصوص حاولوا نهب أمواله وعندما قاومهم قتلوه فأقاموا له مراسم عزاء انتهى بأن عادت الحياة إلى طبيعتها فى المزرعة والمنزل بعد حين، ونسي الناس “فاسيلي جورجيوس”. بعد ثلاثين عاماً وفى أحد أيام سبتمبر من العام ١٩٩٠م توقفت عربة فجأة أمام منزل فاسيلي، وترجل منها رجل عجوز قرع الجرس. فتحت الزوجة الباب فتفاجأت بعجوز تبينت فيه ملامح زوجها والغريب انه كان يرتدي نفس الملابس التي خرج بها قبل ثلاثين عاماً!!!!. كان نظيفاً ومرتباً ومهندماً وبصحة جيدة، غير أن الرأس كان قد اشتعل شيباً وظهرت عليه علامات الكبر. أدخلت الزوجة زوجها للمنزل وكانت المفاجأة انه لا يتذكر أي شئ لا اسمه ولا اسم زوجته أو أولاده ولا أين كان كل هذه المدة. انمسح كل ما كان فى عقل الرجل واصبح (فارغاً كفؤاد أم موسى). المشكلة ان السيارة التي أقلته إلى منزله كانت قد انطلقت بسرعة فائقة ولم يستطع أحد أن يلتقط الرقم ولا أن يتبين ملامح السائق. وهكذا اصبحت قصة “فاسيلي جورجيوس” لغزاً من الغاز العصر.
رجوعاً لعنوان المقال، فإنّ “الحب في زمن الكوليرا” للكولومبي (غابريل غاسيا ماركيز) وهو كاتب وناشط سياسي فاز بجائزة نوبل للآداب في العام ١٩٨٥م وهي تحكي قصة حب أسطورية بين اثنين ظل الحب بينهما مشتعلاً منذ أن كانا فى السابعة عشر حتى وصلا سن السبعين، وقد اجتازا به كل مصاعب الحياة ومتاعبها، نشبت حروب وانتشرت أوبئة وأمراض وهما على حالهما من الحب والوجد، وتنتهي القصة والحبيبان على زورق وردي يطوف بهما وقد تعانقت نظراتهما فى حب أبدي وهذه من المفارقات النادرة. نتمنى أن يعم الحب والإخاء والرخاء وطننا العزيز بعد انجلاء العاصفة.
في هذا العيد السعيد نترحم على آبائنا وأمهاتنا وأزواجنا وزوجاتنا وأبنائنا وبناتنا وإخواننا وأخواتنا وكل أمواتنا وأموات المسلمين. رحمهم الله رحمة واسعة وغفر لهم وأسكنهم جنات النعيم.
وسلامتكم.
*انتقل الى الرفيق الأعلى زوج أختنا الأستاذة سكينة محمد علي حفيدة ود الازيرق المرحوم عباس الشيخ إدريس الحسن ملاك “ود الطقيم”. العزاء للأهل فى أم قحف والعيلفون وفى كل مكان.
*وكذلك انتقل الى الدار الآخرة ابننا معاذ حاتم حسن الشيخ ابن الخالة الأستاذة حياة التوم محمد الشيخ فذهب مبكياً على شبابه. العزاء لكل الأهل آل صبير العاص بالعيلفون وفي كل أنحاء العالم.
(إنا لله وإنا إليه راجعون)
القاهرة – العيلفون
*واتس 00201117499444
تابع ايضا
اخبار السودان
نهر النيل تشرع في تأسيس محفظتين للوقود والسلع الاستراتيجية
نشرت
منذ 4 ساعاتفي
يونيو 19, 2026بواسطه
اخبار السودانأخبار | السودان الحرة
الخرطوم: السوداني
أعلنت حكومة ولاية نهر النيل، عن حزمة إجراءات اقتصادية عاجلة لتوفير البنزين، و4 قطع خبز بألف جنيه، والبدء في تأسيس محفظتين للوقود والسلع الاستراتيجية.
وأشار أبوبكر محمد الأمين مدير الإدارة العامة للشؤون الاقتصادية بولاية نهر النيل إلى قرار اللجنة العليا لانسياب السلع الضرورية بتثبيت سعر الخبز عند 4 قطع خبز بألف جنيه. وأكد أن مشكلة البنزين ستنتهي يوم غد، مرجعاً الندرة السابقة إلى تأخير فاتورة وزارة النفط، مبيناً أن تعديل التسعيرة الجديدة تم يوم الخميس الماضي، وستتحرك على إثره ناقلات الوقود من بورتسودان ومنطقة الهودي لمعالجة أزمة البنزين، متوقعاً استلام الولاية “حصة كبيرة”.
وأشار إلى قرار اللجنة العليا بمنع خروج السلع الأساسية خارج حدود الولاية، مع توجيه المديرين التنفيذيين بالمحليات لمراجعة وحصر المخازن الكبيرة بالأحياء.
وقال أبوبكر إن نهر النيل تمثل رأس الرمح للسودان وكل السلع الاستراتيجية تمر عبر عطبرة، كاشفاً عن اكتمال دراسات لتصدير أربعة محاصيل رئيسية هي المانجو والبطاطس والبصل والتوابل، مشيراً إلى تجهيز مخازن مبردة وجافة بالميناء البري والميناء الجاف ومطار عطبرة، بالإضافة إلى “قرية الصادر”.
وأضاف أن دخول خط السكة حديد للخدمة مطلع الشهر المقبل سيسهل عمليات التصدير للخارج، مؤكداً التواصل مع شركات متخصصة للدخول في عمليات التعبئة والتغليف.
وأعلن عن تشكيل محفظة للوقود مقابل الذهب بالشراكة مع شركات الامتياز وشركات معالجة الذهب والتعدين الأهلي وأسواق الذهب والشركة السودانية للتعدين، لافتاً إلى تكوين لجنة عليا برئاسة وزيرة المالية لتنفيذ المحفظة.
وأوضح أن رأس مال المحفظة سيكون من “الذهب الخالص”، بحيث تودع كل شركة ما يزيد عن 200 كيلو جرام من الذهب بالبنك المركزي، مشيراً إلى أن إنتاج الولاية يتجاوز 70% من إنتاج الذهب في السودان.
وتابع “سننطلق من هذه المحفظة لتأسيس محفظة للسلع الاستراتيجية، وسنكون نموذجاً لبقية الولايات والحكومة الاتحادية”.
وأكد أن منطقة الهودي ستتحول إلى مستودع احتياطي كبير للوقود، بوجود أكثر من 10 شركات عاملة بها حالياً.
اخبار السودان
أحمد القرشي يكتب: ذهب الحدود مع مصر.. حين تُصنع الفتنة من رمال الصحراء
نشرت
منذ 9 ساعاتفي
يونيو 19, 2026بواسطه
اخبار السودان
أخبار | السودان الحرة
تبنّت ما يُعرف بحكومة تأسيس التابعة لميليشيا الدعم السريع رواية مفادها أن الطيران المصري قصف معدّنين سودانيين داخل الأراضي السودانية. ثم تلقفت مؤسسات حزبية سودانية وجهات تقدّم نفسها باعتبارها “محايدة” هذه الرواية، ورددت الاتهامات ذاتها بلا تحقيق مستقل، ولا إحداثيات دقيقة، ولا مصدر رسمي يمكن الركون إليه.
وهنا يبدأ الخطر الحقيقي.
ليس لأن دم السودانيين رخيص، ولا لأن أرواح المعدّنين البسطاء يمكن أن تُطوى في صمت. على العكس تماماً: المعدّنون السودانيون في تلك الصحارى القاسية، في أغلبهم، فقراء دفعهم انسداد الحياة والحرب وانهيار الاقتصاد إلى مطاردة الذهب في أرض لا ترحم. كثير منهم يبحث عن بعض الستر لأهله، لا عن صراع حدودي ولا عن مغامرة سياسية.
لكن المأساة أن هؤلاء البسطاء يتحولون كل مرة إلى وقود لروايات ملوثة بالتناقض، تصنعها منصات الميليشيا، وتعيد ترويجها قوى سياسية لا تتردد في دوس أبسط محرمات المسؤولية الوطنية إذا وجدت في ذلك فرصة لكسب سياسي عابر.
القضية هنا ليست إنكاراً لوقوع احتكاكات أو اشتباكات أو حتى سقوط ضحايا في مناطق التعدين الحدودية. هذه مناطق منفلتة، رخوة، متداخلة، يختلط فيها المعدّن الفقير بالمهرب، والعربة المدنية بعربة السلاح، وحفر الذهب بمسارات المخدرات والبشر والذخائر. لكن تحويل كل حادثة فيها إلى “عدوان مصري على السودان” يحتاج إلى دليل، لا إلى هتاف.
الأخطر أن من يقود هذه الرواية اليوم هي الجهة ذاتها التي فتحت أبواب دارفور لجحيم الميليشيا، وارتكبت في أهلها المجازر، ثم تريد الآن أن تتحدث باسم المعدّنين الدارفوريين والفقراء والمظلومين. يا للعجب: من أشعل النار في البيت جاء يشرح للناس خطورة الدخان.
هناك خلط متعمد بين جغرافيات مختلفة. منطقة العيقاد أو العقيدات، والأنصاري، والعلاقي، تقع في نطاق صحراوي حدودي شرقي وشمال شرقي، حيث يمارس سودانيون التنقيب منذ سنوات، وتوجد رقابة مصرية مرتبطة أساساً بمنع التهريب وحماية الحدود. وفي هذه المناطق لم تكن المشكلة، في أصلها، نزاعاً حدودياً معلناً حول ملكية الأرض، بقدر ما هي مشكلة تماس أمني، وتهريب، وتعدين عشوائي، وضعف حضور الدولة السودانية.
أما جبل العوينات، فهو قصة جغرافية أخرى؛ يقع عند المثلث الحدودي بين السودان ومصر وليبيا، وصار خلال السنوات الأخيرة ممراً خطراً لتهريب البشر والمخدرات والسلاح، وتستغل فيه بعض الشبكات تجمعات المعدّنين للتحرك والاحتماء والتسلل. وقد وقعت في هذا النطاق احتكاكات عدة، بعضها منشور ومتداول منذ عام 2024، ثم تطور الأمر في مارس الماضي إلى اشتباك أمني بالغ الخطورة، أعلنت مصر بعده مقتل ضابط كبير برتبة عميد على حدودها الجنوبية، وتحدثت دوائر مقربة عنه وعن جنود مصريين اشتبكوا مع مجموعات تهريب مسلحة.
القاهرة، رغم ذلك، لم تفتح الملف باعتباره انتهاكاً سودانياً يستدعي عقاب المعدّنين السودانيين أو التضييق على آلاف السودانيين الذين يدخلون مصر بطرق غير نظامية للعلاج أو هرباً من الحرب وغلاء التأشيرات وانسداد السبل. لم تُصعّد سياسياً، ولم تجعل من الحادثة عنواناً لعداء مع الشعب السوداني.
لكن رواية الميليشيا هذه المرة صيغت وكأن مصر تريد الاستيلاء على مناطق ذهب داخل السودان، وكأنها تطارد المعدّنين السودانيين لأنهم سودانيون. وهذه قفزة دعائية لا يساندها منطق ولا جغرافيا ولا سجل التعامل الحدودي المعروف. فمصر نفسها تعمل وتستثمر رسمياً وعبر شركاتها في نطاقات تعدين داخل مناطق تسيطر عليها أو تديرها، ولا تحتاج إلى صناعة حرب مفتوحة مع السودان حتى تبحث عن الذهب في صحراء منفلتة.
ثم إن مسألة حلايب وشلاتين، وهي قضية سودانية قائمة ومعروفة، لا ينبغي خلطها بكل حادثة تقع في الصحراء. الدفاع عن سودانية حلايب شيء، وتحويل كل اشتباك مع مهربين أو معدّنين مسلحين إلى حرب مصرية على السودان شيء آخر. هذا الخلط لا يخدم السودان، بل يخدم من يريد أن يمزق ما تبقى من علاقاته الإقليمية.
المؤلم أن سياسيين سودانيين باتوا يستسهلون استعارة الروايات غير الموثقة إذا خدمت خصومتهم مع الجيش. يرددون ما تبثه منصات الميليشيا، ثم يلبسونه ثوب السيادة. والسيادة منهم براء. فالسيادة لا تُدافع عنها ببيانات منقولة عن غرف التضليل، بل بتحقيق، وإحداثيات، وشهادات موثقة، وموقف دولة لا موقف غضب.
نعم، يجب حماية المعدّنين السودانيين. نعم، يجب التحقيق في أي سقوط لمدنيين. نعم، يجب أن تطالب الدولة السودانية بتوضيح رسمي إذا جرى عمل عسكري داخل أراضيها. لكن لا يجوز أن تتحول دماء البسطاء إلى سلعة سياسية في سوق الخراب، ولا أن تُستثمر أحزان دارفور مرة أخرى بواسطة القوى ذاتها التي تاجرت بآلامها.
القضية الحقيقية ليست أن مصر تريد السيطرة على ذهب السودان. القضية أن السودان ترك حدوده بلا دولة، وتعدينه بلا تنظيم، وفقراءه بلا حماية، وروايته بلا صوت رسمي. وفي هذا الفراغ، يدخل المهرب، وتتحرك الميليشيا، وتنتعش منصات الفتنة، ثم يُطلب من الناس أن يصدقوا كل ما يُقال لأن الدم حاضر والغضب حاضر.
لكن العقل الوطني لا يدار بالغضب وحده.
الواجب اليوم ليس الانجرار وراء فرية جديدة، ولا تبرئة أحد بلا تحقيق. الواجب هو أن تسأل الدولة السودانية وتجيب: أين وقع الحادث؟ من كان في الموقع؟ هل كان المعدّنون مدنيين بالكامل؟ هل كانت هناك شبكات تهريب مسلحة؟ هل دخلت قوة أجنبية؟ هل جرى تنسيق حدودي؟ ومن الذي يجبي من المعدّنين ويحميهم ثم ينسحب عند الخطر؟
هذه الأسئلة هي طريق الحقيقة. أما الصراخ، فهو طريق الفتنة.
إن أخطر ما في هذه الحملة أنها لا تدافع عن السودان، بل تدفعه إلى خصومة مجانية مع مصر، في لحظة يحتاج فيها السودان إلى كل سند إقليمي يحترم دولته وجيشه ووحدة ترابه. ومصر، في هذه الحرب، اختارت الوقوف مع الدولة السودانية ومؤسستها العسكرية التاريخية، لا مع الميليشيا التي خرّبت المدن وانتهكت البيوت وشرّدت الملايين.
لهذا تحديداً تريد الميليشيا ضرب العلاقة مع مصر. تريد أن يصبح كل مصري متهماً، وكل موقف مصري عدواناً، وكل حادث حدودي دليلاً على مؤامرة. إنها لا تبحث عن الحقيقة، بل عن عزلة السودان. ولا تبحث عن العدالة للمعدّنين، بل عن كسر سند الدولة.
من يصدق رواية الميليشيا بلا دليل لا يخدم الضحايا، بل يخدم القتلة.
ومن يخلط بين جبل العوينات، والعلاقي، والعيقاد، وحلايب، وبير طويل، يصنع خريطة للفتنة لا خريطة للحقيقة.
ومن يدافع عن السيادة عليه أولاً أن يدافع عن الدولة؛ لأن السيادة بلا دولة مجرد صدى في الصحراء.
أما السودان، فقد دفع من الدم ما يكفي. ولا يجوز أن ندفعه اليوم إلى حرب روايات جديدة، لأن بعض الساسة لا يجدون طريقاً إلى الضوء إلا بإشعال الحرائق.
نحن لسنا أمام نزاع حدودي جديد بين السودان ومصر، بل أمام محاولة لصناعة نزاع سياسي من مناطق تعدين رخوة، تستغلها شبكات تهريب ومنصات ميليشيا وقوى حزبية تبحث
عن أي نار لتشعل بها ما تبقى من جسور السودان.
اخبار السودان
السودان وقطر يبحثان مُعالجة الديون وعودة الاستثمارات
نشرت
منذ 14 ساعةفي
يونيو 18, 2026بواسطه
اخبار السودانأخبار | السودان الحرة
الخرطوم: السوداني
بحث وزير الدولة بوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، المستشار محمد نور عبد الدائم، مع وزير المالية القطري، علي بن أحمد الكواري، سُبل تعزيز التعاون المالي والاستثماري بين البلدين، وذلك على هامش الاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الإسلامي للتنمية المنعقدة في العاصمة الأذربيجانية باكو، بحضور محافظ بنك السودان المركزي الأستاذة آمنة ميرغني علي التوم.
وتناول اللقاء، ملف معالجة ديون السودان والجهود المبذولة لإعادة هيكلة الالتزامات المالية، بما يسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتهيئة البيئة المناسبة لعودة السودان إلى الاندماج في النظام المالي الإقليمي والدولي.
كما ناقش الجانبان، التفاهمات المتعلقة بعودة الاستثمارات القطرية إلى السودان، وإعادة تنشيط نشاط المؤسسات المالية القطرية، بما في ذلك بحث استئناف عمل بنك قطر الوطني، دعماً لتدفقات التمويل والاستثمار في القطاعات الإنتاجية والخدمية.
وأكد اللقاء، أهمية توسيع آفاق التعاون المالي والاستثماري وفتح قنوات تمويل مباشرة للمشروعات ذات الأولوية، لا سيما في مجالات البنية التحتية والطاقة والخدمات الأساسية، بما يدعم جهود إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي في السودان.
وشدد الجانبان على أهمية تنسيق المواقف داخل مؤسسات التمويل الدولية والإقليمية بما يسهم في دعم السودان وتسهيل حصوله على التمويل اللازم لتنفيذ برامجه الاقتصادية والإصلاحية، بما يعزز الاستقرار والتنمية المستدامة.
نهر النيل تشرع في تأسيس محفظتين للوقود والسلع الاستراتيجية

أحمد القرشي يكتب: ذهب الحدود مع مصر.. حين تُصنع الفتنة من رمال الصحراء
السودان وقطر يبحثان مُعالجة الديون وعودة الاستثمارات
ترنديج
اخبار السودانمنذ أسبوع واحدمجلس الوزراء يُجيز مشروع قانون نظام الحكم الإقليمي لدارفور
- اخبار السودانمنذ أسبوع واحد
قرار بحفظ حقوق جميع الطلاب المنقطعين عن الدراسة بمؤسسات التعليم العالي بسبب الحرب
- اخبار السودانمنذ أسبوع واحد
ضوابط جديدة لاستيراد وتوزيع المشتقات البترولية
- اخبار السودانمنذ أسبوع واحد
أزمة الكهرباء.. الحل – السودان الحرة
اخبار السودانمنذ أسبوع واحدجابر يترأس اجتماعاً للسيطرة على سعر الصرف وتوفير المشتقات البترولية
اخبار السودانمنذ أسبوع واحدسيتم إعادة تأهيل 6 استادات – السودان الحرة
- اخبار السودانمنذ أسبوع واحد
اتفاق مصري – إريتري حول أمن البحر الأحمر والسودان
اخبار السودانمنذ أسبوع واحدالسودان: ثلاث وزارات تنعي الدولة.. حين تكذب الدولة على نفسها










